حين كان الوطن أغلى من المناصب… عبدالفضيل الماظ وعلي عبداللطيف يبعثان رسالة للتائهين في زمن التقسيم
حديث الساعة الهام سالم منصور

في صفحات التاريخ السوداني رجال لم تصنعهم المناصب، ولم تغرهم السلطة، ولم يبيعوا الوطن في سوق المصالح الضيقة، بل صنعوا مجداً سيظل خالداً ما بقي السودان. وحين نذكر عبدالفضيل الماظ وعلي عبداللطيف فإننا لا نتحدث عن شخصيات عابرة، بل عن مدرسة وطنية كاملة، آمنت بأن السودان أكبر من القبيلة والحزب والجهة والطائفة، وأن حرية الوطن لا تشترى ولا تباع.
هؤلاء الرجال قاتلوا المستعمر بقلوب مؤمنة وعزيمة لا تنكسر، ولم يطالبوا بي نصيب من السلطة، ولم يجلسوا حول موائد التفاوض ليقتسموا ثروات البلاد أو يحددوا كم وزارة وكم منصب سيأخذون بعد التحرير. كانوا يدركون أن الوطن إن ضاع فلن تنفعهم المناصب، وأن الكرامة الوطنية لا تبنى على حساب دماء الأبرياء ولا على أشلاء البلاد.
واليوم، وبعد كل هذه التضحيات، يقف السودان على حافة الانقسام والتشظي، تتنازعه الأطماع والصراعات، وأصبح الحديث عن اقتسام السلطة والثروة أعلى من صوت الوطن نفسه. الكل يتحدث عن حصته، عن مكاسبه، عن نفوذه، بينما المواطن السوداني البسيط فقد الأمن والاستقرار وحتى حقه في الحياة الكريمة.
إن ما يحدث اليوم يجعلنا نتساءل بحزن: ماذا لو عاد رجال ثورة 1924 ورأوا حال البلاد؟ ماذا سيقول عبدالفضيل الماظ وهو الذي واجه المستعمر حتى آخر طلقة دفاعاً عن كرامة السودان؟ ماذا سيقول علي عبداللطيف الذي حلم بوطن موحد حر، لا مكان فيه للخيانة والانقسامات؟
لقد تحول الوطن عند البعض إلى غنيمة حرب، وتحولت المعاناة الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسية، وأصبح السلاح أداة لفرض المطالب والمكاسب، بينما السودان ينزف من كل اتجاه. آلاف الأسر شردت، ومدن كاملة دمرت، وأطفال حرموا من التعليم والأمان، ومع ذلك لا تزال بعض القوى تتحدث بلغة المحاصصة وكأن الوطن مجرد شركة يتم تقسيم أرباحها بين الشركاء.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسامات، بل يحتاج إلى صحوة وطنية حقيقية تعيد للناس معنى الانتماء. يحتاج إلى رجال يشبهون أولئك الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن دون انتظار مقابل. رجال يؤمنون بأن السودان لا يباع ولا يشترى، وأن وحدة الأرض والإنسان فوق كل الحسابات السياسية الضيقة.
علينا أن نعترف بأن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب فقط، وإنما غياب المشروع الوطني الجامع. فحين تغيب الوطنية، تتقدم الجهوية، وحين يضعف صوت الوطن، ترتفع أصوات المصالح الشخصية. ولذلك أصبح من الضروري أن نعيد قراءة تاريخنا الوطني، لا من أجل البكاء على الماضي، وإنما من أجل استلهام قيم التضحية والوفاء والإخلاص للوطن.
لقد علمنا عبدالفضيل الماظ وعلي عبداللطيف أن الوطن لا يبنى بالخطب والشعارات فقط، بل بالمواقف والتضحيات. وأن السودان لن ينهض ما دام أبناؤه يتصارعون على السلطة قبل أن ينقذوا الدولة نفسها من الانهيار.
إن الأرض التي نختلف عليها اليوم ليست ملكاً لأحد، وإنما هي أمانة في أعناق الجميع. ومن يظن أن بإمكانه أن يحكم وطناً ممزقاً فهو واهم، لأن الأوطان لا تستقر بالقوة وحدها، وإنما تستقر بالعدالة والصدق ووحدة الصف الوطني.
رحم الله أبطال السودان الحقيقيين، الذين كتبوا تاريخهم بدمائهم لا بالمساومات، وتركوا لنا درساً عظيماً مفاده أن الوطن حين يكون في القلب، تصبح كل المناصب صغيرة، وكل الثروات بلا قيمة، ويبقى السودان وحده هو القضية الكبرى.
الجمعة١٥مايو٢٠٢٦
قائد الفرقة الثانية مشاة يكرّم “صغار الشرقية” المتوجين بلقب الدورة الأفريقية لمدارس المتوسطة
استقبل اللواء الركن يوسف محمد أحمد أبو شارب، قائد الفرقة الثانية مشاة، بمكتبه اليوم، بعثة …





