غوتيريش في الارجاء
اسماعيل شريف

تشهد القارة الإفريقية في المرحلة الراهنة حراكاً دبلوماسياً متزايداً تقوده الأمم المتحدة وعدد من القوى الإقليمية والدولية في محاولة لاحتواء بؤر النزاع المتعددة، وفي مقدمتها الأزمة السودانية التي دخلت عامها الرابع مخلفة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. وفي هذا السياق تكتسب زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لعدد من الدول الإفريقية أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها جولة بروتوكولية، وإنما لكونها محاولة لإعادة ترتيب أولويات المجتمع الدولي تجاه القارة، وعلى رأسها السودان.
لقد جاءت تصريحات غوتيريش بشأن السودان محملة برسائل سياسية وإنسانية وأمنية تعكس حجم القلق الدولي من استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وما ترتب عليها من انهيار واسع للبنية التحتية، وتدهور اقتصادي، ونزوح ولجوء بالملايين، فضلاً عن تصاعد المخاوف من تحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
رسائل متعددة
تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة ركزت على عدة محاور أساسية؛ أولها ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، وثانيها أهمية حماية المدنيين، وثالثها الدفع نحو عملية سياسية شاملة تفضي إلى سلام دائم. وهذه الرسائل تبدو في ظاهرها تقليدية ومتكررة، لكنها في توقيتها الحالي تحمل دلالات مهمة، خاصة في ظل تعثر المبادرات السابقة وفشل الضغوط الدولية في إنهاء الحرب.
كما أن حديث غوتيريش عن ضرورة عدم الإفلات من العقاب يمثل إشارة واضحة إلى تنامي الاهتمام الدولي بملفات الانتهاكات الإنسانية وجرائم الحرب، وهو ما قد يزيد من الضغوط السياسية والدبلوماسية على أطراف الصراع خلال المرحلة المقبلة.
انعكاسات التصريحات على مسار الحرب
عملياً، قد لا تؤدي تصريحات الأمم المتحدة وحدها إلى تغيير فوري في موازين المعركة على الأرض، لأن طبيعة الصراع السوداني باتت مرتبطة بحسابات عسكرية معقدة وتشابكات إقليمية ودولية متعددة. غير أن أهمية هذه التصريحات تكمن في تأثيرها السياسي والإعلامي، إذ تسهم في إعادة تسليط الضوء الدولي على الأزمة السودانية بعد تراجع الاهتمام العالمي بها نتيجة أزمات دولية أخرى.
ومن المتوقع أن تمنح هذه التصريحات زخماً جديداً للتحركات الدبلوماسية الجارية، سواء عبر الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي أو منظمة الهيئة الحكومية للتنمية، خاصة إذا اقترنت بتحركات عملية تشمل زيادة الضغوط على الأطراف المتحاربة، وتوسيع نطاق العقوبات، ودعم جهود الوساطة.
وفي المقابل، قد تنظر بعض القوى المتصارعة إلى هذه التصريحات باعتبارها منحازة أو محاولة لفرض حلول خارجية، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التشدد السياسي والعسكري، خاصة في ظل انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة.
فرص السلام بين التعقيدات والضغوط
رغم قتامة المشهد، فإن الزيارة والتصريحات المرتبطة بها تعيد إحياء الحديث عن فرص السلام في السودان. فالمجتمع الدولي بات يدرك بصورة أكبر أن استمرار الحرب لا يهدد السودان وحده، بل يمتد تأثيره إلى أمن واستقرار الإقليم بأكمله، بما في ذلك دول الجوار الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر.
لكن فرص السلام تظل مرهونة بعدة عوامل، أبرزها وجود إرادة حقيقية لدى الأطراف السودانية لتقديم تنازلات، إلى جانب قدرة الوسطاء الدوليين والإقليميين على بناء منصة تفاوض موحدة تمنع تضارب المبادرات وتعدد المسارات السياسية.
كما أن أي عملية سلام لن تنجح ما لم تتضمن معالجة الجوانب الإنسانية والاقتصادية، وإطلاق مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة السودانية المرتبطة بقضايا الحكم والعدالة وتقاسم السلطة والثروة.
البعد الإفريقي للزيارة
زيارة غوتيريش لإفريقيا حملت كذلك رسالة تتعلق بمكانة القارة في النظام الدولي. فالأمم المتحدة تحاول إظهار اهتمام أكبر بالقضايا الإفريقية في ظل الانتقادات المتزايدة بازدواجية المعايير الدولية، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع النزاعات الإنسانية.
وفي هذا الإطار، يبدو السودان اختباراً حقيقياً لقدرة الأمم المتحدة على لعب دور أكثر فاعلية في إفريقيا، ليس فقط عبر البيانات والمواقف، وإنما من خلال آليات عملية لدعم السلام والاستقرار.
خاتمة
في النهاية، فإن تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بشأن السودان تمثل محاولة جديدة لإبقاء الأزمة السودانية ضمن دائرة الاهتمام الدولي، وخلق مناخ سياسي يدفع نحو التفاوض بدلاً من استمرار الحرب. غير أن نجاح هذه الجهود يظل رهيناً بمدى استعداد القوى السودانية المختلفة لتغليب مصلحة الوطن على حسابات السلاح، إلى جانب وجود دعم إقليمي ودولي حقيقي لعملية سلام شاملة تنهي معاناة السودانيين وتعيد للدولة استقرارها ووحدتها.
قائد الفرقة الثانية مشاة يكرّم “صغار الشرقية” المتوجين بلقب الدورة الأفريقية لمدارس المتوسطة
استقبل اللواء الركن يوسف محمد أحمد أبو شارب، قائد الفرقة الثانية مشاة، بمكتبه اليوم، بعثة …





