‫الرئيسية‬ مقالات تحول “إنسان الحشد” إلى مشروع دولة
مقالات - ‫‫‫‏‫21 دقيقة مضت‬

تحول “إنسان الحشد” إلى مشروع دولة

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر — باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في كتابه الشهير تمرد الجماهير، لم يكن الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت يتحدث فقط عن الجماهير بوصفها كثافة بشرية، بل كان يتحدث عن تحوّل عميق يصيب الإنسان حين يفقد حسّه النقدي، ويتخلى عن مسؤوليته الفردية، ويذوب داخل القطيع حتى يصبح مجرد نسخة مكررة من “الإنسان العادي” الذي لا يسأل كثيرًا، ولا يفكر كثيرًا، لكنه يملك يقينًا صاخبًا تجاه كل شيء.

ذلك الإنسان الذي وصفه أورتيغا بأنه: إنسان يرفض التعقيد،

ويخشى التفكير العميق،

ويعتبر رأيه كافيًا لفهم العالم،

ويتعامل مع كل ما حوله بوصفه حقًا مكتسبًا لا مسؤولية تجاهها.

لكن المدهش حقًا، أن القارئ السوداني حين يتأمل الكتاب اليوم، يشعر وكأن أورتيغا كان يكتب ــ بطريقة ما ــ عن جزء كبير من واقعنا المعاصر.

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

فالصورة النمطية التي جرى تصنيعها للمواطن السوداني خلال عقود طويلة، ليست مجرد صورة اجتماعية بريئة، بل هي ــ في أحد أبعادها ــ إعادة إنتاج محلية لما يمكن تسميته بـ “إنسان الحشد”، ذلك المواطن الذي يُراد له أن يعيش داخل الجماعة دون وعي نقدي، وأن يتفاعل مع الأحداث بردود فعل عاطفية أكثر من تفاعله معها بعقل تحليلي.

 

من المواطن إلى “الجمهور”:

كان السوداني قديمًا يُعرَّف من خلال دوره: مزارع ،معلم ،موظف، حرفي، إداري، صاحب مشروع، صانع معرفة.

أما اليوم، فثمة عملية طويلة جرت لتحويله من “فاعل اجتماعي” إلى مجرد “جمهور”.

○ جمهور يصفق.

○ يغضب جماعيًا.

○ يفرح جماعيًا.

○ يكره جماعيًا.

○ ويُدار جماعيًا.

حتى أصبحت كثير من القضايا الوطنية تُناقش بعقلية المدرجات لا بعقلية الدولة.

وهنا تحديدًا يلتقي واقعنا مع فكرة أورتيغا عن “تمرد الجماهير”، حين تتحول الكثرة العددية إلى سلطة نفسية تضغط على التفكير الفردي، وتُعاقب المختلف، وتكافئ التكرار.

 

المواطن الذي لا يريد أن يفكر طويلًا :

أخطر ما تحدث عنه أورتيغا، أن إنسان الحشد لا يرى جهله مشكلة، بل يعتبره وضعًا طبيعيًا لا يحتاج إلى مراجعة.

وهذا ما نراه في واقعنا السوداني بصورة مؤلمة.

فالكثير من النقاشات العامة اليوم لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن الانتصار اللحظي.

ولا تسعى للفهم بقدر ما تسعى للحشد.

ولا تنتج معرفة، بل تنتج اصطفافًا.

ولهذا أصبحت:

الشائعة أسرع من المعلومة، والانفعال أعلى من التحليل، والصوت المرتفع أقوى من الحجة، والولاء للجماعة أهم من دقة الفكرة.

حتى صار الإنسان السوداني يخشى أن يفكر وحده، لأن التفكير الفردي قد يجعله خارج القطيع.

 

كيف صُنعت الصورة النمطية للمواطن السوداني؟:

لم تُصنع فقط عبر السياسة، بل عبر تراكم طويل من الأزمات والانهيارات.

حين تنهار المؤسسات التعليمية،

ويضعف الإنتاج الثقافي،وتتراجع قيمة القراءة،ويصبح البقاء اليومي أهم من بناء الوعي، فإن المجتمع يبدأ تدريجيًا في إنتاج “مواطن الضرورة” لا “مواطن الفكرة”.

مواطن يعيش تحت ضغط النجاة المستمرة، فيفقد المسافة التي تسمح له بالتأمل والتحليل.

ومع الوقت، يصبح السؤال السريع أهم من التفكير العميق،

وتصبح المواقف الجاهزة أكثر راحة من الأسئلة المعقدة.

وهكذا يتشكل المواطن الذي تريده الأزمات: مواطنٌ متعب،

منفعل، قصير النفس، سريع التصديق، وسهل التوجيه.

 

تمرد الجماهير… أم تمرد الوعي؟:

لكن أورتيغا لم يكن يحتقر الجماهير كما يُفهم أحيانًا، بل كان يخشى اللحظة التي تتراجع فيها النخبة الفكرية القادرة على إنتاج المعنى، فيصبح المجال العام بلا بوصلة معرفية.

وفي السودان، تبدو هذه الأزمة واضحة بصورة مؤلمة.

فالمثقف تراجع تأثيره، والباحث أصبح معزولًا، والخبير يُتهم بالتعقيد،بينما يتصدر المشهد أحيانًا من يملك القدرة على الإثارة لا المعرفة.

حتى أصبح المجال العام مزدحمًا بالأصوات، وفقيرًا في الأفكار.

وهنا تظهر أخطر نتائج الصورة النمطية للمواطن السوداني: تحويله من “شريك في صناعة الدولة” إلى مجرد “مستهلك للخطاب”.

 

الدولة التي تحتاج مواطنًا مُنهكًا:

إن بعض الأنظمة ــ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ــ لا تستفيد من المواطن الواعي بقدر استفادتها من المواطن المرهق.

المواطن المنشغل بلقمة العيش،

وبالنجاة اليومية، وبالخوف المستمر، لا يملك رفاهية التفكير الطويل.

وهكذا تتحول الأزمات من فشل طارئ إلى آلية لإعادة تشكيل الوعي نفسه.

فالإنسان المرهق لا يقرأ كثيرًا،

ولا يحلل كثيرًا، ولا يسأل كثيرًا.

بل يبحث فقط عن أقرب مساحة آمنة نفسيًا، حتى لو كانت مجرد وهم جماعي.

 

الجسر والمورد… إعادة بناء الإنسان لا الحشد:

وفق رؤية “الجسر والمورد”، فإن أزمة السودان ليست فقط أزمة سلطة أو حرب أو اقتصاد، بل أزمة في طبيعة الإنسان الذي جرى تشكيله داخل هذه البيئة المضطربة.

فنحن لا نواجه فقط انهيار الدولة،

بل نواجه خطر تحوّل المواطن إلى “إنسان حشد” فاقد للمبادرة الفردية والقدرة النقدية.

ولهذا فإن معركة السودان القادمة ليست معركة بنادق فقط،

بل معركة وعي.

معركة لاستعادة: قيمة السؤال، واحترام المعرفة، وهيبة التفكير، وقدرة الإنسان على أن يرى نفسه مواطنًا لا مجرد تابع لجماعة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم، ليس أن تُهزم عسكريًا، بل أن تفقد قدرتها على إنتاج إنسان يفكر.

> وحين يصبح التفكير تهمة، يصبح انهيار الدولة مجرد نتيجة متأخرة.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

فجر جديد للبناء: ريادة الأعمال والإبتكار يقودان قطار التنمية في سودان ما بعد الحرب  

تنتهي الحروب والنزاعات تاركةً خلفها جراحاً عميقة وتحديات اقتصادية واجتماعية، لكنها في الوق…