من أمن العقاب اساء الأدب
اسماعيل شريف

ظلّ الإفلات من العقاب واحداً من أخطر الأزمات التي واجهت الدولة السودانية عبر تاريخها الحديث، إذ أسهم بصورة مباشرة في إدامة دوائر العنف، وتقويض الثقة في مؤسسات العدالة، وفتح الباب أمام تكرار الانتهاكات دون خوف من المحاسبة. فكلما غابت العدالة، تمددت الفوضى، وتحول السلاح إلى وسيلة لحسم الخلافات السياسية والاجتماعية.
لقد عرف السودان نماذج عديدة للإفلات من العقاب، بدأت منذ عقود وتكررت بأشكال مختلفة، في الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية والانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة، وحتى في قضايا الفساد والاعتداء على المال العام.
ومن أبرز النماذج التي ظلت حاضرة في الذاكرة السودانية، الجرائم والانتهاكات التي صاحبت الحرب في إقليم دارفور منذ العام 2003، حيث وثقت تقارير دولية ومحلية عمليات قتل جماعي ونزوح واسع وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ورغم صدور مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق عدد من المسؤولين، إلا أن العدالة ظلت متعثرة بفعل التعقيدات السياسية وضعف الإرادة الوطنية والدولية.
كما مثّلت أحداث فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم في يونيو 2019 نموذجاً آخر للإفلات من العقاب، إذ ورغم تشكيل لجان تحقيق متعددة، إلا أن الرأي العام السوداني ظل ينتظر نتائج واضحة ومحاسبة شفافة للمسؤولين عن سقوط الضحايا والانتهاكات التي صاحبت تلك الأحداث. وقد أسهم بطء الإجراءات وتضارب الروايات في زيادة الإحباط الشعبي تجاه مؤسسات العدالة.
وفي شرق السودان، كما في جنوب كردفان والنيل الأزرق، تكررت مشاهد النزاعات القبلية والمواجهات المسلحة التي غالباً ما تنتهي باتفاقات تهدئة مؤقتة دون الوصول إلى محاسبة حقيقية للمتورطين في أعمال القتل والتحريض والتخريب، مما جعل كثيراً من النزاعات قابلة للاشتعال مجدداً عند أول احتكاك.
أما الحرب الحالية في السودان، فقد كشفت بصورة أكثر وضوحاً حجم الكارثة التي يمكن أن تنتج عن غياب المحاسبة عبر السنوات. فالانتهاكات التي تعرض لها المدنيون من قتل ونهب وتشريد واحتلال للمنازل وتدمير للبنية التحتية، أعادت طرح سؤال العدالة بقوة: هل يمكن بناء سلام حقيقي دون محاسبة؟
التجارب العالمية تؤكد أن السلام الذي لا يقوم على العدالة غالباً ما يكون هشاً وقابلاً للانهيار. لذلك فإن أي مشروع وطني لإنهاء الحرب في السودان يجب أن يتضمن آليات واضحة للعدالة الانتقالية، تشمل التحقيق المستقل، وجبر الضرر، وإنصاف الضحايا، وعدم حماية أي جهة أو شخصية من المساءلة مهما كانت مكانتها.
إن أخطر ما يترتب على الإفلات من العقاب ليس فقط ضياع حقوق الضحايا، بل ترسيخ ثقافة خطيرة مفادها أن القوة يمكن أن تتغلب على القانون، وأن الجرائم الكبرى يمكن أن تمر بلا حساب. وعندما تصبح هذه الثقافة جزءاً من الواقع السياسي والاجتماعي، فإن الدولة نفسها تدخل في دائرة من الهشاشة وعدم الاستقرار يصعب الخروج منها.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام السودانيين اليوم هو الانتقال من مرحلة توثيق المآسي إلى بناء مؤسسات عدلية مستقلة وقادرة على فرض سيادة القانون، لأن الأمم لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعدالة التي يشعر بها المواطن قبل أن تُكتب في الدساتير.
فجر جديد للبناء: ريادة الأعمال والإبتكار يقودان قطار التنمية في سودان ما بعد الحرب
تنتهي الحروب والنزاعات تاركةً خلفها جراحاً عميقة وتحديات اقتصادية واجتماعية، لكنها في الوق…





