التحالفات والاندماجات العسكرية… هل يقترب السودان من إعادة تشكيل الدولة تحت مظلة الجيش؟
حديث الساعة إلهام سالم منصور

تشهد الساحة السودانية هذه الأيام حراكاً سياسياً وعسكرياً متسارعاً يتمثل في التحالفات والاندماجات بين الحركات المسلحة والقوى العسكرية المختلفة، في وقت تتجه فيه الدولة نحو فرض رؤية واضحة تقوم على أن تكون كل التشكيلات العسكرية تحت مظلة القوات المسلحة السودانية، باعتبارها المؤسسة الوطنية الجامعة والحارس الأول لسيادة البلاد ووحدتها.
هذا المشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن الحرب التي عاشها السودان وما خلفته من دمار ونزوح وانهيار للبنية الأمنية والاجتماعية، حيث أصبحت قضية تعدد الجيوش والقوات الموازية واحدة من أخطر التحديات التي واجهت الدولة السودانية عبر السنوات الماضية. لذلك فإن أي حديث اليوم عن الاندماج أو إعادة الهيكلة أو توحيد القوى العسكرية لا يعد مجرد خطوة إجرائية، بل يمثل مشروعاً لإعادة بناء الدولة نفسها.
إن التحالفات التي تتم بين بعض الحركات المسلحة والقوى السياسية والعسكرية تحمل عدة رسائل، أولها أن المرحلة القادمة لن تحتمل حالة التشظي والانقسام، وثانيها أن موازين القوة على الأرض بدأت تتغير بصورة تدفع كثيراً من الأطراف لإعادة حساباتها السياسية والعسكرية، وثالثها أن هناك إدراكاً متزايداً بأن بقاء أي قوة خارج إطار الدولة سيقود إلى استمرار الفوضى والصراع.
وفي المقابل، فإن قرار الدولة بضرورة خضوع كل القوات للمؤسسة العسكرية السودانية يمثل نقطة تحول مفصلية في تاريخ السودان الحديث، لأن الدولة التي تمتلك أكثر من جيش تصبح مهددة في أمنها واستقرارها وسيادتها. ولهذا فإن توحيد السلاح تحت قيادة واحدة ليس خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من مؤسسات البلاد.
غير أن نجاح هذا المشروع يتطلب عدة عوامل مهمة، أولها وجود إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الحزبية والجهوية، وثانيها تنفيذ برامج دمج وتسريح وإعادة تأهيل بصورة احترافية وعادلة، وثالثها بناء عقيدة عسكرية وطنية تقوم على حماية السودان لا حماية المصالح الضيقة.
كما أن المواطن السوداني الذي عانى ويلات الحرب أصبح ينظر لأي تحالف أو اندماج من زاوية واحدة فقط: هل سيقود إلى الأمن والاستقرار وعودة الحياة الطبيعية؟ أم سيكون مجرد إعادة إنتاج للأزمة بصورة جديدة؟ فالشعب لم يعد يحتمل المزيد من الصراعات المسلحة ولا تعدد مراكز القوة والنفوذ.
ومن الواضح أن المؤسسة العسكرية السودانية تسعى اليوم لإعادة فرض هيبة الدولة واستعادة السيطرة الكاملة على المشهد الأمني والعسكري، خاصة بعد التجارب المريرة التي مرت بها البلاد. وهذا التوجه يجد تأييداً واسعاً من قطاعات كبيرة ترى أن الجيش يجب أن يبقى المؤسسة السيادية التي تحتكر القوة والسلاح وفق الدستور والقانون.
لكن في ذات الوقت، فإن أي عملية اندماج أو تحالف يجب أن تتم بحذر شديد، لأن بعض القوى قد تدخل هذه الترتيبات بدوافع تكتيكية أو مرحلية، وليس انطلاقاً من قناعة وطنية حقيقية، الأمر الذي يستوجب الرقابة الأمنية والسياسية الدقيقة حتى لا تتحول بعض التحالفات إلى تهديد مستقبلي جديد.
إن السودان اليوم يقف أمام مرحلة فارقة، إما أن ينجح في بناء دولة المؤسسات والقانون والجيش الواحد، وإما أن يعود مرة أخرى إلى دائرة الانقسامات والنزاعات المسلحة. لذلك فإن معركة توحيد السلاح ليست معركة عسكرية فقط، بل معركة وطن وبقاء دولة وهوية شعب يبحث عن الأمن والاستقرار بعد سنوات طويلة من الألم والمعاناة.
الاثنين ٢٥مايو٢٠٢٦
خطر خلف الميناء..!!
▪️يحمل شريط الطريق الرابط بين الميناء البري ومطار دنقلا، وتحديدًا في الاتجاه شمال غرب مدين…





