المغترب السوداني .. ثروة وطنية أم مورد مُهدر؟
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في يوم التاسوعة…
وفي سوق (17) خليفة بأم درمان، حيث لا تزال الونسات السودانية حاضرة كإسلوب مقاومة لما خلفته الحرب ، تماما كما تقاوم أشجار التبلدي العطش، كنت أجلس مع عدد من ” اعمامك” نتبادل الحديث عن البلد وأحوال الناس وما فعلته السنوات الأخيرة بالسودانيين.
وفجأة، ومن بين رشفات الشاي وتعليقات السوق العابرة، ألقى “عمك” سؤالاً بسيطاً في لفظه، عميقاً في معناه:
> ليه السودانيين جوة البلد قاسين… لكن في الغربة حنان؟
فساد صمت قصير…ثم مضى الحديث.
لكن السؤال لم يمض. لأنني شعرت وقتها أن الرجل لم يكن يسأل عن السودانيين… بل كان يسأل عن السودان نفسه. فالأزمات الكبرى تبدأ عادة من أشياء صغيرة، كحرف واو حُذف من عنوان مقالي السابق، وحال الربط بين سؤال عمنا في سوق (17) خليفة: “ليه السودانيين جوة البلد قاسين… لكن في الغربة حنان؟” وبين الواو المحذوفة والسؤال البسيط، اكتشفت أن أخطر ما نحذفه ليس الحروف… بل أجزاء كاملة من محاولة اتاحة الفرصة للفهم والإدراك.
قبل سنوات كتبت الروائية العالمية دوريس ليسنج كتاباً بعنوان:
“سجون نختار أن نحيا فيها”
ولعل الفكرة الأخطر في الكتاب أن الإنسان كثيراً ما يصبح أسيراً للأفكار التي يصنعها بنفسه. لا لأن أحداً فرضها عليه. بل لأنه اعتادها حتى ظنها حقيقة. يتوارثها الناس.
ويرددونها. ويعيشون داخلها. ثم تتحول مع الزمن إلى سجن لا يرون خارجه.
وأخشى أن واحدة من أكبر هذه السجون في العقل السوداني هي الطريقة التي ننظر بها إلى المغترب السوداني.
لسنوات طويلة ظللنا نردد رواية واحدة.
● أن المغترب هو ذلك الشخص الذي غادر البلاد.
● ذلك الذي يحمل جواز سفر وحقيبة سفر وحساباً بنكياً.
● ذلك الذي يُستدعى اسمه عند الأزمات الاقتصادية.
● ويُتذكر عند حملات الدعم.
● ويُقاس دوره بحجم التحويلات التي يرسلها.
ثم تنتهي القصة.
》 لكن ماذا لو كانت هذه الرواية كلها ناقصة؟ بل ماذا لو كانت هذه الرواية نفسها أحد السجون التي اخترنا أن نحيا فيها؟
بالأمس وصلتني كلمات عميقة من الأخ العزيز / فهد حماد الصافي بعنوان:
> الشتات والمسافة… وعن تروما الدرجة الثانية.
ولعل القيمة الحقيقية للمقال أنه نقل النقاش:
● من المال إلى الإنسان.
● ومن الاقتصاد إلى النفس.
● ومن الأرقام إلى المشاعر.
فالحرب لا تصيب فقط من يعيشون تحت القصف.
• هناك من تصيبهم من خلف الشاشات.
• هناك من يعيشون في مدن آمنة لكنهم يحملون داخل صدورهم وطناً كاملاً ينزف.
• هناك من لم يسمعوا دوي المدافع…
لكنهم يسمعون يومياً أخبار الفقد والنزوح والجوع والخوف. هناك من نجوا بأجسادهم… لكن أرواحهم ما زالت عالقة في الداخل.
> وهذه هي تروما المسافة.
لن بينما كان فهد يشرح سجن المسافة… كنت أفكر في سجن آخر.
سجن أخطر. وأقدم. وأكثر رسوخاً.
> سجن الصورة الذهنية التي صنعناها نحن عن المغترب.
فالمغترب السوداني يعيش اليوم داخل سجنين في وقت واحد.
○ سجن البعد عن الوطن.
○ وسجن نظرة الوطن إليه.
فإذا نجح قيل إنه نسي بلده. وإذا استقر قيل إنه تخلى عن أهله.
□ وإذا صمت اتُهم.
□ وإذا تحدث اتُهم.
□ وإذا عاد سُئل لماذا عاد.
□ وإذا بقي سُئل لماذا بقي.
> كأنه مطالب دائماً بإثبات وطنيته من جديد.
وهنا تبدأ #أصل_القضية
أولا – المشكلة ليست في المغترب:
المشكلة في طريقة تفكيرنا تجاه المغترب. لقد ظل السودان لعقود يتعامل مع ملايين أبنائه المنتشرين في العالم كما لو أنهم حساب مصرفي كبير.
◇ نسأل: رسلوا كم ؟
لكننا لا نسأل:
◇ ماذا تعلموا؟
◇ من يعرفون؟
◇ ماذا اكتسبوا؟
◇ ما حجم الخبرات التي يحملونها؟
◇ ما حجم الشبكات التي بنوها؟
◇ كيف ينظر العالم إلى السودان عبرهم؟
◇ كم باباً يستطيعون أن يفتحوا لوطنهم؟
فإذا كانت الدول تقيس ثرواتها اليوم بحجم ما تملكه من بيانات وتقنيات وشبكات نفوذ، فإن السودان يمتلك واحدة من أكبر الشبكات البشرية غير المستثمرة في الإقليم. ملايين السودانيين المنتشرين في عشرات الدول لا يمثلون فقط تحويلات مالية، بل يمثلون منظومة معرفة وخبرات وعلاقات وتأثير عابر للحدود. ولو أحسن السودان إدارة هذا المورد لامتلك ما يشبه وزارة خارجية شعبية ممتدة عبر القارات، وقوة ناعمة يصعب على كثير من الدول صناعتها في سنوات طويلة.
وهنا نتكشف واحدة من أكبر المفارقات الاستراتيجية في عالم اليوم. ففي خضم السجال السياسي الحاد بين السودان والإمارات خلال الفترة الماضية، وبعيداً عن صحة أو خطأ المواقف السياسية، برز درس يستحق التأمل.
لقد نجحت الإمارات في شيء مهم للغاية ، نجحت في فهم قيمة الإنسان فالدول الذكية لا تنظر إلى المقيم باعتباره مجرد عامل. ولا إلى الجالية باعتبارها مجرد تجمع سكاني. بل باعتبارها رصيداً من العلاقات والثقة والانطباعات والتجارب الإنسانية.
ولهذا استطاعت عبر سنوات طويلة أن تبني مع قطاعات واسعة من المقيمين على أرضها، ومن بينهم السودانيون، روابط إنسانية واجتماعية ومهنية عميقة.
وعندما احتدمت المعركة الإعلامية والسياسية… لم تتحرك البيانات الرسمية وحدها. تحركت أيضاً شبكات الثقة. وتحركت الذكريات. والعلاقات. وتحركت القوة الناعمة التي تراكمت بصمت عبر السنوات.
وهنا الدرس.
> ففي القرن الحادي والعشرين لا تتنافس الدول فقط على الأسواق. …بل على القلوب. ولا تتنافس فقط على الموارد ..بل على البشر. ولا تتنافس فقط على الجغرافيا …بل على الصورة الذهنية التي يحملها الناس عنها.
ثانيا – رؤية الجسر والمورد:
المغترب ليس شخصاً غادر الوطن. بل وطنٌ تحرك خارج حدوده.
■ هو جسر.
■ ومورد.
■ وخزان معرفة.
■ وخزان خبرة.
■ وخزان علاقات.
■ وخزان تأثير.
بل إن بعض الأمم الحديثة بنت نفوذها العالمي من أبنائها المنتشرين في الخارج أكثر مما بنته من مواردها الطبيعية.
ولهذا فإن الحرب الحالية كشفت حقيقة مهمة وهي أن السودان لا يملك فقط الذهب. ولا الأراضي الزراعية. ولا الثروة الحيوانية.
السودان يملك مورداً آخر أكثر ندرة.
وأكثر تأثيراً. وأقل استثماراً.
> إنه الإنسان السوداني نفسه.
ذلك المنتشر في الخليج. وفي أوروبا. وفي أمريكا الشمالية. وفي إفريقيا. وفي آسيا.
يحمل معه السودان حيثما ذهب يحمل لهجته. وثقافته. وعلاقاته. وصورته الذهنية.
وأحياناً يحمل عنه ما تعجز السفارات والمؤسسات عن حمله.
لكن المأساة أننا ما زلنا ننظر إلى هذا المورد بعين الاقتصاد فقط.
بينما #أصل_القضية أكبر من الاقتصاد.
● إنها قضية نفسية.
● وقضية اجتماعية.
● وقضية تنموية.
● وقضية تتعلق بمكانة السودان في العالم.
> لأن الأمم التي تفشل في إدارة مواردها البشرية… تنتهي إلى استيراد ما كان يمكن أن تنتجه بنفسها.
وربما لهذا بدا لي سؤال ” عمنا ” في سوق (١٧) مختلفاً الآن. فالسوداني في الغربة لا يصبح أكثر حناناً لأن الغربة سحرته. بل لأن المسافة أعادت تعريف الأشياء أمامه. فحين يبتعد الإنسان عن وطنه… يكتشف قيمة الوطن. وحين يبتعد عن أهله… يكتشف قيمة الناس. وحين يبتعد عن تفاصيله اليومية… يرى الصورة كاملة لأول مرة.
#أصل_القضية
ربما أخطأنا طويلاً عندما اعتقدنا أن ثروة السودان تحت الأرض.
في الذهب ، النفط الأراضي.
بينما كانت ثروته الحقيقية تعبر المطارات كل يوم. ليس هرباً من الوطن… بل بحثاً عن فرصة لم يجدها فيه. ثم جاءت الحرب لتكشف الحقيقة المذهلة:
> أن السودان لم يكن يصدّر عمالة فقط. كان يصدّر خبرات. وشبكات علاقات. وصوراً ذهنية. وجسوراً بشرية تمتد عبر القارات.
ولذلك فإن السؤال لم يعد:
> كيف نستفيد من المغترب؟
السؤال الصحيح هو:
> كيف نكسر السجن الذهني الذي يجعلنا نراه مجرد مغترب؟
لأن الأمم الكبيرة لا تُقاس بعدد من يعيشون داخل حدودها… بل بعدد من يظلون يحملونها في قلوبهم خارج تلك الحدود.
مغتربو السودان…
> ليسوا خارج السودان …بل هم السودان نفسه وقد تمدد في العالم.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
انواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة الخامسة والثلاثون عزلة قسرية..!!
■ بعد سقوط المدن الكبيرة خيّم على قرى الجزيرة حال من الخوف والوجوم، وتبدل أمان البيوت وطم…





