‫الرئيسية‬ مقالات السودان وهندسة النظام الدولي الجديد: دلالات الحضور في قمة موسكو الأمنية
مقالات - ‫‫‫‏‫9 ساعات مضت‬

السودان وهندسة النظام الدولي الجديد: دلالات الحضور في قمة موسكو الأمنية

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

تشهد الجغرافيا السياسية العالمية مخاضاً عسيراً لإعادة صياغة موازين القوى، حيث تتراجع هيمنة القطب الواحد لحساب صعود تدريجي ومستمر لعالم متعدد الأقطاب. في قلب هذا التحول المتسارع، جاءت المشاركة السودانية رفيعة المستوى في الاجتماع الدولي لكبار المسؤولين المعنيين بالشؤون الأمنية في موسكو، بمشاركة وفود من 145 دولة، لتقدم رؤية استراتيجية تتجاوز البعد المحلى للأزمة السودانية، وتضعها في سياقها الصحيح كجزء من الصراع الدولي والإقليمي المحتدم.

تكتسب هذه المشاركة أهمية استثنائية، ليس فقط من حيث توقيتها وسياقها الدولي، بل من حيث الرسائل العميقة التي حملتها المنصة الروسية، والتي عكست تحولاً بليغاً في المقاربة الأمنية والسياسية للسودان، والانتقال من مرحلة الدفاع والاحتواء الداخلي إلى مرحلة الهجوم الدبلوماسي وتعرية الشبكات الإقليمية والدولية المغذية للصراع.

تنطلق الرؤية السودانية التي طُرحت في المحفل الدولي من قراءة دقيقة لاختلالات النظام الدولي الراهن. إن تبني مفهوم “العالم متعدد الأقطاب” ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل هو ضرورة حتمية للدول التي عانت من سياسات القطب الواحد، والتي اتسمت بازدواجية المعايير، واستخدام العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية كأدوات قسرية لفرض أجندات خارجية على حساب سيادة الدول ومصالح شعوبها.

إن غض الطرف الدولي عن التدخلات السافرة لبعض القوى الإقليمية في الشأن السوداني، ومنحها نوعاً من الحصانة غير المعلنة، هو نتاج مباشر لغياب العدالة في آليات النظام الدولي الحالي. ومن هنا، جاءت الدعوة لإصلاح المؤسسات الدولية وتبني شراكات حقيقية تحمي الدول النامية و المستضعفة، لتشكل ركيزة أساسية لبيان السودان، الذي وضع التنمية والتكامل الاقتصادي كبديل استراتيجي للتنافس الصراعي المحموم.

لقد نجحت الدبلوماسية الأمنية السودانية في موسكو في تفكيك البنية الهيكلية للأزمة الراهنة أمام المجتمع الدولي، ناقلةً التوصيف من “حرب أهلية” أو “نزاع داخلي” إلى واقعها الحقيقي: عدوان ممنهج تقوده مليشيا متمردة مدعومة بمرتزقة من أكثر من 17 دولة.

هذا التوصيف يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية. بالانتهاكات الجسيمة التي تم استعراضها، بدءاً من تدمير البنى التحتية الحيوية، مرواً بالجرائم المرتكبة ضد المدنيين، وصولاً إلى المحاولات الخبيثة لإحداث تغيير ديموغرافي قسري عبر استبدال السكان الأصليين بمكونات وافدة من خارج الحدود، لا يمكن تصنيفها إلا كجرائم حرب مكتملة الأركان.

إن الطرح السوداني كان حاسماً في الربط بين استمرار هذه المليشيا وبين تمدد الخطر الإرهابي؛ فالأمر لم يعد مقتصراً على حدود الخرطوم أو دارفور، بل إن استجلاب المرتزقة وتدفق السلاح العابر للحدود يمثل وجهاً جديداً للإرهاب الدولي الذي سيمتد لهيبه ليزعزع استقرار الإقليم بأسره، ويمس مصالح الأمن الدولي في مناطق حيوية كالبحر الأحمر والقرن الإفريقي. ومن هذا المنطلق، أصبحت المطالبة الدولية بتصنيف هذه المليشيا المتمردة كـ “منظمة إرهابية” ضرورة أمنية ملحة لحماية السلم والأمن الدوليين، وليس مجرد توصيف سياسي داخلي.

في مقابل التهديدات، حملت المشاركة السودانية رسائل ثقة وقوة عكست التطورات الإيجابية على مسرح العمليات والواقع السياسي الداخلي. إن التفاف الشعب السوداني حول قواته المسلحة ومؤسسات دولته الشرعية شكل الصخرة التي تكسرت عليها مؤامرة تفكيك الدولة. هذا التلاحم لم يثمر فقط انتصارات عسكرية متتالية ودحراً للمليشيا في مختلف المحاور، بل أدى إلى تصدع في جبهة التمرد تجسد في انسلاخ العديد من قياداتها وعودتهم إلى حضن الوطن بعد تكشف زيف الشقاق.

ولعل المؤشر الأبرز على تعافي الدولة وبسط سيطرتها هو عودة الحكومة لممارسة مهامها من العاصمة الخرطوم، والمضي قدماً في تطبيع الحياة العامة وصيانة واستعادة الخدمات الأساسية. هذه الخطوة تمثل دليلاً عملياً على أن مؤسسات الدولة الشرعية هي الصمام الوحيد للأمن والاستقرار، وأن الرهان على إضعافها أو استبدالها كان رهاناً خاسراً منذ البداية.

على هامش المؤتمر، جاء اللقاء مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الروسي (مجلس الدوما) ليعزز هذا التوجه الاستراتيجي. إن الموقف الروسي الثابت والمبدئي في دعم وحدة وسيادة السودان، ورفضه القاطع لأي محاولات تستهدف الحكومة الشرعية، يمثل حجر زاوية في العلاقات الثنائية المستندة إلى الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

إن الإشادة السودانية بالمواقف الروسية، خاصة في مجلس الأمن الدولي، تعكس تقديراً لتوازن القوى الذي تتيحه موسكو في مواجهة محاولات التسييس والتدخل في الشؤون الداخلية. وقد أمن الجانبان على تفعيل الآليات القائمة وتبادل الزيارات لتطوير العلاقات في المجالات كافة، مما يفتح الباب واسعاً لمرحلة ما بعد الحرب.

وفي هذا السياق، جاءت الدعوة السودانية للدول الصديقة، وفي مقدمتها روسيا، للمشاركة في عملية إعادة الإعمار شاملة القطاعات الحيوية كافة. هذه الدعوة تؤكد أن السودان، ورغم جراح الحرب، يتطلع إلى المستقبل بعين الثقة، وينفتح على المجتمع الدولي كشريك فاعل وبناء يسعى لتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي والدولي.

خلاصة القول : إن مشاركة السودان في قمة موسكو الأمنية، وطرحه لرؤية وطنية متماسكة ترتبط بإصلاح النظام الدولي، يمثلان تحولاً نوعياً في إدارة معركة السيادة. لقد أثبتت الدولة السودانية أنها، رغم التحديات الجسيمة، قادرة على صياغة تحالفات استراتيجية وازنة، وتعرية الإرهاب العابر للحدود، وتقديم مشروع متكامل للاستقرار يستند إلى حوار سوداني-سوداني خالص يعقد داخل البلاد وينأى عن الإملاءات الخارجية. إن هندسة المستقبل السوداني تصنع اليوم في الميدان وتلاحم الشعب مع قيادته، وتدعمها دبلوماسية أمنية واعية تعرف كيف تضع مصالح الوطن العليا في صدارة الأجندة الدولية.

‫شاهد أيضًا‬

نقابة المحامين السودانيين تدين هجمات على مناطق بشمال كردفان وتطالب بمحاكمات عاجلة

أدانت نقابة المحامين السودانيين الهجمات التي استهدفت منطقة المرة بولاية شمال كردفان، بادية…