‫الرئيسية‬ مقالات متى ينفد وقود الحرب في السودان؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

متى ينفد وقود الحرب في السودان؟

اسماعيل شريف

احداث دامية تشهدها ولاية جنوب دارفور ومقتلة جديدة طلت برأسها على مشهد الحرب الشيطانية الكارثية في البلاد ..دخلت قبيلتا السلامات والبني هلبه في قلب الصراع الدموي واهدروا دمائهم لبعضهم واهدوا انفسهم الموت والخراب…وكانوا وقودا جديدا لحرب مستعرة ..

فبعد سنوات من القتال والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، ما زالت آلة الحرب تدور، وكأن هناك من يعيد تعبئة خزانها كلما أوشكت على التوقف. منظومة معقدة من الأزمات والمصالح والتناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تتغذى بعضها على بعض في دائرة يصعب كسرها وتؤكد بان هناك من يحيك خيوطها بدقة وخبرة ومكر ودهاء.

لم تنشأ الصراعات الأهلية مع اندلاع الحرب الحالية، لكنها وجدت بيئة مثالية للنمو والانتشار.

فالمظالم التاريخية، والنزاعات حول الأرض والموارد، والتنافس على النفوذ المحلي، كلها ملفات ظلت مؤجلة لعقود دون معالجة جادة. ومع انهيار سلطة الدولة في مناطق واسعة، عادت هذه التناقضات إلى السطح بصورة أكثر عنفاً.

وما تشهده بعض مناطق دارفور وكردفان اليوم من توترات ونزاعات أهلية يثير مخاوف حقيقية من انتقال السودان إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتحول فيها الحرب من صراع بين جيوش إلى صراعات مجتمعية متعددة الأطراف يصعب احتواؤها.

 

تسليح المجتمعات

 

كل قطعة سلاح تخرج من يد الدولة إلى يد المجتمع تمثل إضافة جديدة إلى مخزون الحرب.

قد يبدأ التسليح تحت شعارات الحماية والدفاع الذاتي، لكنه غالباً ما يفتح الباب أمام دورات جديدة من الانتقام والثأر والصراع على الموارد والنفوذ.

وتاريخ المنطقة يؤكد أن إنهاء الحروب يصبح أكثر صعوبة عندما ينتشر السلاح بين المدنيين وتتحول المجتمعات نفسها إلى أطراف في الصراع.

وعندما تتفاوت مستويات التعليم والخدمات الصحية وفرص العمل والبنية التحتية بين المناطق، تتراكم مشاعر التهميش والإقصاء. وعندما تغيب العدالة التنموية يصبح من السهل على دعاة الحرب استثمار هذه المشاعر وتحويلها إلى وقود للصراع.

إن الحرب الحالية كشفت حجم الاختلالات التي ظلت كامنة في بنية الدولة السودانية لعقود طويلة.

 

اقتصاد الحرب… الوقود الأخطر

 

لكن أخطر أنواع الوقود ربما يكون ذلك الذي لا يراه الناس مباشرة اقتصاد الحرب.

فمع طول أمد الصراع نشأت شبكات مصالح تستفيد من استمرار القتال. هناك من يربح من تهريب السلع، ومن يربح من تجارة السلاح، ومن يربح من السيطرة على الموارد الطبيعية، ومن يربح من المضاربات في العملات والأسواق المنهارة.

وفي كثير من الأحيان تصبح الحرب بالنسبة لبعض الفاعلين الاقتصاديين مشروعاً مربحاً أكثر من السلام.

ولهذا فإن إنهاء الحرب لا يتطلب فقط إسكات البنادق، بل يتطلب أيضاً تفكيك المصالح الاقتصادية التي راكمت الثروات والنفوذ في ظل الفوضى.

 

من يصنع المليشيات؟

 

المليشيات لا تظهر من فراغ.

إنها نتاج لضعف الدولة، وفشل المؤسسات، وعجز النظام السياسي عن إدارة التنوع والخلافات. عندما يفقد المواطن الثقة في قدرة الدولة على حمايته، يبحث عن بدائل. وعندما تلجأ النخب إلى السلاح لتحقيق أهدافها السياسية، تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة للصعود والنفوذ. وبمرور الوقت تصبح المليشيات جزءاً من المشهد السياسي والأمني، ثم تتحول إلى مشكلة أكبر من الأسباب التي أدت إلى ظهورها.

 

من يؤجج الصراع؟

 

المسؤولية لا تقع على طرف واحد. السياسي الذي يحرض على الكراهية مسؤول. والقائد العسكري الذي يختار التصعيد مسؤول. والزعيم الأهلي الذي يعبئ أبناء قبيلته ضد الآخرين مسؤول. والتاجر الذي يستفيد من اقتصاد الحرب مسؤول. كما أن القوى الإقليمية والدولية التي توفر المال أو السلاح أو الغطاء السياسي لأطراف الصراع تتحمل نصيبها من المسؤولية.

 

من يدفع الفاتورة؟

 

الجواب واضح ومؤلم.

يدفعها المواطن السوداني. يدفعها الطفل الذي حُرم من التعليم. والأم التي فقدت أبناءها. والمزارع الذي خسر أرضه. والتاجر الذي فقد رأس ماله. والنازح الذي يعيش بعيداً عن منزله. وتدفعها الدولة من وحدتها واقتصادها ومؤسساتها ومستقبلها. أما المستفيدون من الحرب فهم أقلية صغيرة، بينما يتحمل ملايين السودانيين كلفتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية كل يوم.

 

متى ينفد الوقود؟

 

لن ينفد وقود الحرب تلقائياً.

سينفد فقط عندما تتوقف التعبئة السياسية والقبلية، ويتوقف تدفق السلاح، وتتراجع المصالح الاقتصادية المرتبطة بالفوضى، ويصبح السلام أكثر ربحاً من الحرب. فالحروب لا تنتهي عندما يتعب المقاتلون فقط، بل عندما تدرك المجتمعات أن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من أي مكسب متوهم. والسودان اليوم يقف أمام هذا السؤال المصيري هل نواصل إضافة الوقود إلى خزان الحرب، أم نبدأ أخيراً في إطفاء المحرك قبل أن يلتهم ما تبقى من الوطن؟

‫شاهد أيضًا‬

حلم التكامل في زمن الانقسام: مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ومستقبل السودان

Ghariba2013@gmail.com تمرّ العقود وتتبدل الخرائط السياسية، وتظل الفكرة القومية تبحث عن جسد…