‫الرئيسية‬ مقالات الفساد في نقاط التفتيش ومحطات الباصات… حربٌ أخرى تُنهك الوطن
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

الفساد في نقاط التفتيش ومحطات الباصات… حربٌ أخرى تُنهك الوطن

بقلم. د. بشارة حامد جبارة عضو فرع مؤسسة الاتحاد العربي للصحفيين والإعلاميين والمثقفين العرب - السودان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:

 

فإن من أعظم البلايا التي تُبتلى بها الأمم، وأشد الآفات التي تقوض أركان الدول، وتبدد جهود الإصلاح، وتُضعف ثقة المواطنين في مؤسساتهم، آفةُ الفساد المالي والإداري. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمحاربة الفساد بكل صوره وأشكاله، وجعلت الإصلاح مقصدًا عظيمًا من مقاصد الدين، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، وقال سبحانه: ﴿ إنّ الله لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.

 

وفي هذه الأيام تعالت أصوات المواطنين من مختلف أنحاء السودان تشكو مما يتعرض له بعض المسافرين وأصحاب المركبات وحملة البضائع والعفش في بعض نقاط التفتيش ومحطات الباصات المنتشرة في ربوع البلاد. وقد أصبحت هذه الشكاوى حديث المجالس، وتناقلتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وكتب عنها الصحفيون والإعلاميون والمهتمون بالشأن العام، لما تمثله من معاناة يومية تثقل كاهل المواطن الذي أنهكته الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة.

 

إن المواطن السوداني اليوم يعيش مرحلة استثنائية من الصبر والتحمل، ويكابد أعباء المعيشة وارتفاع الأسعار وقلة الموارد، ويأمل أن يجد من مؤسسات الدولة التيسير وحفظ الحقوق، لا أن تتضاعف معاناته بسبب ممارسات خاطئة تصدر من بعض ضعاف النفوس الذين يستغلون مواقعهم أو سلطاتهم للإضرار بالناس أو تعطيل مصالحهم أو أخذ أموالهم بغير حق.

 

ولقد شدد الإسلام في أمر المال العام والحقوق العامة تشديدًا عظيمًا، لأن الاعتداء عليها ليس ظلمًا لفرد واحد فحسب، بل هو عدوان على المجتمع كله. قال رسول الله ﷺ: «إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة». فكل مال يؤخذ بغير وجه حق، وكل منفعة تُستغل من الوظيفة العامة بغير حق، وكل تعطيل لمصالح الناس من أجل تحقيق مكاسب شخصية، هو من أبواب الفساد التي حذرت منها الشريعة أشد التحذير.

 

وإن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تأتي في وقت يخوض فيه السودان معركة مصيرية للحفاظ على وحدته وأمنه واستقراره. فبلادنا تواجه تحديات جسيمة ومؤامرات خارجية تستهدف أرضها وشعبها ومقدراتها، وتبذل القوات المسلحة والقوات المساندة وسائر الشرفاء من أبناء الوطن جهودًا عظيمة في الدفاع عن البلاد وصون كرامتها. ومن المؤلم أن تنشأ في الداخل ممارسات تضعف الجبهة الداخلية وتؤذي المواطنين وتسيء إلى هيبة الدولة وصورتها.

 

إن الفساد ليس مجرد مال يؤخذ بغير حق، بل هو معول يهدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويعطل التنمية، ويزيد معاناة الفقراء والمساكين، ويحول دون وصول الخدمات إلى مستحقيها. ولهذا كانت محاربته واجبًا شرعيًا ووطنيًا وأخلاقيًا.

 

ولم يكتف الإسلام بتحريم الرشوة والفساد من حيث المبدأ، بل وضع من التشريعات العملية ما يحاصر الفساد من جذوره ويمنع استغلال الوظيفة العامة لتحقيق المكاسب الشخصية، ومن أعظم ذلك ما جاء في الحديث الصحيح الذي يعد من أقوى النصوص النبوية في حماية المال العام وصيانة الوظيفة العامة من العبث والاستغلال.

 

فقدروى البخاري (6578) ومسلم (1832) عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي أُهْدِيَ لِي ، قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ : مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لا ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : ( اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ )

 

فهذا الحديث العظيم يقرر قاعدة شرعية خالدة، وهي أن كل منفعة أو هدية أو مال يحصل عليه الموظف أو المسؤول بسبب منصبه أو وظيفته وليس بسبب شخصه، فإنه داخل في باب الغلول والخيانة واستغلال المنصب. وإذا كان هذا الوعيد الشديد في هدية قُدمت بسبب الوظيفة، فكيف بمن يأخذ الأموال بغير حق، أو يعطل مصالح الناس، أو يستغل سلطته للإثراء غير المشروع، أو يرهق المواطنين بالرسوم غير القانونية والطلبات غير المشروعة؟ إن ذلك كله من الفساد الذي جاءت الشريعة لمحاربته وتجفيف منابعه حمايةً للحقوق وصيانةً للمجتمعات.

 

كما قال ﷺ: «لعن الله الراشي والمرتشي»، لأن الرشوة لا تفسد المال فحسب، بل تفسد العدالة، وتضيع الحقوق، وتقدم غير المستحق، وتعطل مصالح الناس، وتفتح أبواب الظلم والفساد.

 

ولقد أكدت الدراسات والبحوث المعاصرة التي تناولت منهج القرآن الكريم في مكافحة الفساد المالي أن الإسلام لم يقتصر على تحريم الفساد وبيان خطره، بل عالج أسبابه وجذوره ووسائل الوقاية منه قبل وقوعه وبعد وقوعه. فالقرآن الكريم حارب الرشوة والمحسوبية والاختلاس وأكل أموال الناس بالباطل، وربط بين الإيمان والأمانة والنزاهة، وبين الفساد وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. وقد بينت هذه الدراسات أن انتشار الفساد المالي يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس، وإهدار الموارد العامة، وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وزيادة معاناة الفقراء والمحتاجين.

 

ومن تأمل نصوص القرآن الكريم وجد أنها تدعو إلى إقامة العدل وصيانة الحقوق وحفظ الأموال العامة والخاصة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، وقال عز وجل: ﴿إنّ الله لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ولذلك فإن مكافحة الفساد ليست مجرد إجراء إداري أو قانوني فحسب، بل هي واجب شرعي وأخلاقي ووطني تتعاون فيه الدولة ومؤسساتها والأجهزة الرقابية والمجتمع كله من أجل حماية الحقوق وصيانة المال العام وتحقيق العدل بين الناس.

 

ومن هنا فإننا نناشد الجهات المختصة والأجهزة الرقابية والسلطات المسؤولة عن حماية المال العام ومكافحة الفساد أن تتحرك بحزم وجدية لمواجهة هذه الظاهرة، وأن تفتح أبواب الشكاوى للمواطنين، وأن تتابع ما يُنشر في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وأن تُحاسب كل من يثبت تجاوزه أو استغلاله لوظيفته أو سلطته للإضرار بالناس أو أكل أموالهم بالباطل.

 

كما ندعو العاملين في هذه المواقع كافة إلى استشعار مراقبة الله عز وجل، وتذكر أن الوظيفة أمانة، وأن مصالح الناس أمانة، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى ترسيخ قيم النزاهة والأمانة والعدل، وإلى توحيد الجهود في مواجهة التحديات، لا إلى فتح جبهات جديدة من المعاناة للمواطن البسيط الذي صبر كثيرًا وتحمل كثيرًا. فكما أن العدو الخارجي يُواجه بالسلاح واليقظة، فإن الفساد الداخلي يُواجه بالعدل والرقابة والمحاسبة، لأن الأمم لا تسقط من خارجها فقط، وإنما قد تنهار من داخلها إذا تُرك المفسدون يعبثون بمصالح الناس دون رادع أو حساب.

نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يوفق ولاة أموره إلى كل خير، وأن يطهر مؤسساته من الفساد والمفسدين، وأن يرزق الجميع الإخلاص والأمانة والعدل، وأن يجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.

والحمد لله رب العالمين.

‫شاهد أيضًا‬

جننتونا… عازة تبكي أبناءها قبل أعدائها

اطلعتُ على قصيدة “جننتونا” للشاعر عثمان أحمد سعيد (أبوالورد)، فاستوقفتني ما حم…