جيل “الفراولة” في مهب الريح: حينما تُصهر الحربُ الهشاشةَ في بوتقة الصمود
أجيال النيل د. سهام موسى مصر أخصائية علم نفس وإرشاد أسري

في خضم المتغيرات المتسارعة التي يعيشها عالمنا اليوم، يبرز مصطلح “جيل الفراولة” (Generation Strawberry) كواحد من أكثر الأوصاف إثارة للجدل في التناول السوسيولوجي لجيل “زد” (Gen Z). يُشتق هذا التعبير من ثقافة شرق آسيا، حيث يُنظر لهذا الجيل على أنه “هش” كحبة الفراولة، سريع التأثر، ولا يقوى على تحمل ضغوط الحياة. ولكن، حين نُسقط هذه الصورة النمطية على الواقع المعاش لجيل “زد” السوداني الذي تجرع مرارة الحرب، واكتوى بنيران النزوح، واختبر قسوة اللجوء في دول الجوار، نجد أنفسنا أمام مشهد مغاير تماماً؛ مشهدٌ يعيد تعريف “الهشاشة” بوصفها “مرونة نفسية” صلبة وُلدت من رحم المعاناة.
إن القول بأن هذا الجيل هش هو قراءة سطحية لم تخترق القشرة الخارجية. فالحرب في السودان لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت “مختبراً وجودياً” صهر السمات الشخصية لأبناء هذا الجيل. هؤلاء الشباب، الذين وُصفوا بالهشاشة، هم أنفسهم من أداروا شبكات التكافل الاجتماعي في مناطق النزوح، وهم من استخدموا أدواتهم التقنية –التي وُلدوا بها– لتوثيق الحقيقة، وطلب المساعدة، وبناء جسور التواصل مع العالم. إن قدرتهم على “التكيف” التي تُصنف ضمن سماتهم الشخصية، تحولت في واقع اللجوء إلى استراتيجية بقاء مذهلة؛ إذ استطاعوا الانتقال من نمط حياةٍ إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، محافظين على توازنهم رغم تداعي جدران عالمهم المعتاد.
لطالما عُرف جيل “زد” بإبداعه وتفكيره الابتكاري، ولكن في سياق النزوح، تجاوز الإبداع كونه مجرد مهارة تقنية ليصبح وسيلة للمقاومة. لقد رأينا كيف استثمر هؤلاء الشباب الانفتاح الذهني الذي يتمتعون به لتقبل مجتمعات اللجوء، وكيف استخدموا وعيهم بالقضايا الاجتماعية وحقوق الإنسان –وهي سمة جوهرية في تكوينهم النفسي– لتحويل تجربة اللجوء من “وصمة” إلى “منصة” للتعبير عن المظالم والمطالبة بالعدالة. إنهم ليسوا “ضعفاء”، بل هم أصحاب صوتٍ جريء يرفض الانكسار، ويطالب بالاستدامة النفسية والاجتماعية في وقتٍ يحاول فيه الواقع فرض الصمت.
يُعاب على هذا الجيل بحثه عن “التوازن بين العمل والحياة”، وهي سمة قد يراها الأكبر سناً دليلاً على عدم الجدية. ولكن، في واقع ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Reality)، يصبح هذا التوازن ضرورة ملحة. إن اهتمام جيل “زد” السوداني بصحتهم النفسية هو انعكاس لوعي مبكر بأن “الاحتراق” هو عدو البقاء. فهم لا يرفضون العمل، بل يرفضون استنزاف ذواتهم في واقع لا يضمن لهم غداً آمناً، مما يمنحهم قدرة فريدة على ترتيب الأولويات في وسط الفوضى.
إن وصف هذا الجيل بالهشاشة هو خطأ في التشخيص، ناتج عن معايير قديمة لا تتناسب مع تحديات العصر الجديد. إن “جيل الفراولة” الذي واجه الحرب والنزوح، لم يذبل كما توقع المراقبون، بل نضج بقسوة التجارب. لقد أثبتوا أن التعاطف والرحمة –وهما سمات جوهرية لديهم– هما القوة الحقيقية التي تحمي المجتمع من التفتت.
إن واجبنا كأخصائيين وباحثين ليس “تقييم” هشاشتهم، بل “فهم” كيف استطاعوا تحويل هذه الهشاشة الظاهرية إلى درعٍ واقٍ. إنهم جيلٌ يحمل جراح الحرب بكرامة، ويبحث عن معنى للحياة في وسط ركام اللجوء. هم ليسوا فراولة هشة، بل هم براعم استطاعت أن تشق طريقها عبر صخور الحرب القاسية، لتثبت للعالم أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على التكيف، والتعاطف، والتمسك بالحق في التوازن النفسي، مهما اشتدت الضغوط.
جننتونا… عازة تبكي أبناءها قبل أعدائها
اطلعتُ على قصيدة “جننتونا” للشاعر عثمان أحمد سعيد (أبوالورد)، فاستوقفتني ما حم…





