‫الرئيسية‬ مقالات عطبرة مدينة تنام بحذر… وتفعل وضع الطيران
مقالات - ‫‫‫‏‫دقيقة واحدة مضت‬

عطبرة مدينة تنام بحذر… وتفعل وضع الطيران

إسماعيل شريف

بين آلاف المنشورات التي تعبر يومياً على منصات التواصل الاجتماعي، ثمة نصوص تجبرك على التوقف أمامها لا لجمال لغتها فحسب، وإنما لأنها تنجح في التقاط نبض الواقع كما هو، بعيداً عن المبالغة أو التجميل. ومن بين هذه النصوص جاءت شهادة الزميل الصحفي مرتضى شطة، أمين التدريب بالاتحاد العام للصحفيين السودانيين، خلال رحلته من الخرطوم إلى بورتسودان، والتي تحولت من مجرد سرد لواقعة سفر إلى لوحة اجتماعية وإنسانية مكتملة الأركان.

 

في ظاهر الأمر تبدو الحكاية قصة مسافر يسابق الزمن للحاق برحلة خارجية، لكن ما بين أمدرمان وعطبرة وبورتسودان تنكشف طبقات متعددة من المشهد السوداني الراهن؛ طرق مثقلة بالمخاطر، ونقاط عبور تتحكم في حركة المسافرين، وأزمة وقود تفرض نفسها على تفاصيل الرحلة، وثقافة يومية جديدة فرضتها ظروف الحرب والنزوح والتنقل القسري.

 

تميز النص بقدرته على الجمع بين السرد القصصي والمعالجة الصحفية الاستقصائية. فالقارئ يجد نفسه داخل مشاهد متلاحقة تتداخل فيها الدراما مع السخرية، والقلق مع التأمل، حتى تبدو الرحلة وكأنها نص بوليسي مفتوح النهايات.

 

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه ليس الطريق ولا السيارة ذات الإطار المعطوب، بل المشهد الليلي حول الميناء البري بعطبرة؛ مئات المسافرين يفترشون المكان في انتظار فجر جديد، بينما تتحول الهواتف المحمولة إلى هاجس أمني دائم، ويصبح إخراج الجيوب إلى الخارج وإعلانها فارغة وسيلة دفاع شعبية ضد اللصوص.

 

هنا يبرز ذلك التعبير اللافت الذي استوقف الكاتب “وضع الطيران”. ففي عالم الهواتف الذكية يعني هذا الوضع تعطيل الاتصالات، أما في عطبرة فقد اكتسب معنى مختلفاً؛ جيوب فارغة مقلوبة إلى الخارج تعلن للمارين واللصوص على السواء أن صاحبها لا يحمل ما يستحق السرقة. إنها لغة شعبية مبتكرة أفرزتها الحاجة، لكنها في الوقت نفسه مؤشر على خلل أمني يدفع الناس إلى ابتكار وسائلهم الخاصة للحماية.

 

ولعل القيمة الحقيقية للنص تكمن في أنه لم يكتف بوصف المشكلة، بل كشف كيف يتعايش الناس معها. فالسائقون والمسافرون وأصحاب السرر طوروا أنماطاً كاملة من السلوك للتكيف مع الخطر، حتى أصبح الحذر جزءاً من الحياة اليومية. مدينة تنام، لكنها لا تنام مطمئنة؛ مدينة تغفو بعين وتبقي الأخرى مفتوحة.

 

كما يطرح النص سؤالاً أكبر من حدود عطبرة نفسها كم من الظواهر الجديدة ولّدتها الحرب وأعادت تشكيل سلوك السودانيين؟ وكيف تحولت محطات السفر وأماكن الانتظار إلى فضاءات تعكس حجم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يعيشها المواطن؟

 

لقد نجح مرتضى شطة في تقديم نموذج لما يمكن أن تصنعه الصحافة عندما تنزل إلى الميدان وتقترب من الناس. لم يحتج إلى بيانات رسمية أو تقارير مطولة، بل اكتفى بالملاحظة الدقيقة والاستماع إلى روايات البسطاء، فخرج بنص يحمل قيمة خبرية وإنسانية في آن واحد.

 

ويبقى الجزء الأهم في القصة ذلك النداء الذي وجهه للجهات المختصة. فحين يصبح المبيت في محطة سفر مغامرة أمنية، وحين يضطر المسافر إلى النوم وجيوبه في “وضع الطيران”، فإن الأمر يتجاوز حدود الطرفة والسخرية إلى قضية تستحق المعالجة.

 

عطبرة تلك المدينة التي ظلت عبر تاريخها مدينة الحركة والسكك الحديدية والتجارة العابرة، تستحق أن ينام عابروها مطمئنين. وتستحق أن تبقى محطة للراحة لا محطة للخوف والترقب.

 

وربما لهذا السبب لم تكن قصة مرتضى شطة مجرد حكاية سفر، بل شهادة واقعية على زمن استثنائي يعيشه السودان، زمن أصبحت فيه أبسط تفاصيل الحياة اليومية مادة صحفية تكشف ما تعجز عنه التقارير الرسمية والخطابات المطولة.

‫شاهد أيضًا‬

خذوا المبادرة ياقيادة الجيش..وأخمدوا الفتنة في مهدها..المشتركة فصيل وطني وكفي

*(١)* *أطلق الرئيس الاسبق نميري تحذيراً للسياسسين والأحزاب من ممارسة أسلوب (الدلع) مع الجن…