‫الرئيسية‬ مقالات حرية المدخن تنتهي عند رئة غيره
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

حرية المدخن تنتهي عند رئة غيره

خواطر ابن الفصل د. محمد فضل محمد

من أكثر المصطلحات تضليلًا في مجال الصحة العامة مصطلح “التدخين السلبي”، فهو يوحي ضمنًا بأن هناك تدخينًا إيجابيًا أو مقبولًا، بينما الحقيقة أن التدخين كله شرٌّ وضرر، سواء مارسه المدخن بإرادته أو فُرض على غيره قسرًا. ولهذا فإن الوصف الأدق هو “التدخين القسري”، لأن غير المدخن يُجبر على استنشاق السموم دون ذنب اقترفه أو خيار اختاره.

يحتوي دخان التبغ على آلاف المواد الكيميائية، منها مئات المواد السامة والعشرات من المواد المسببة للسرطان. وما إن تُشعل السيجارة حتى تتحول البيئة المحيطة إلى مساحة ملوثة يتضرر منها الجميع، لا المدخن وحده. فالمرأة، والطفل، وكبير السن، والمريض، وزميل العمل، والزبون في المطعم، والراكب في وسيلة النقل، جميعهم يصبحون ضحايا لدخان لم يختاروه.

ومن المؤسف أن بعض المدخنين يتعاملون مع التدخين وكأنه حرية شخصية مطلقة، متناسين أن الحرية لا تعني الإضرار بالآخرين. فليس من حق أحد أن يفرض عادته على من حوله، كما ليس من حقه أن يلقي النفايات في بيوت الناس أو يلوث ماءهم أو هواءهم. إن حرية المدخن تنتهي عند رئة غيره.

وتتضاعف المأساة عندما يكون الضحايا من أفراد الأسرة. فالأب الذي يدخن داخل المنزل لا يؤذي نفسه فقط، بل يعرّض زوجته وأطفاله لأخطار صحية جسيمة قد تمتد آثارها لسنوات طويلة. وتشير الدراسات الطبية إلى أن الأطفال الأكثر تعرضًا لدخان التبغ هم أكثر عرضة للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والحساسية والتهابات الأذن، وغيرها من المضاعفات الصحية التي يمكن الوقاية منها بسهولة بإبعاد الدخان عن محيطهم.

كما أن التدخين في أماكن العمل والمطاعم والأماكن العامة المغلقة يمثل انتهاكًا لحق الآخرين في بيئة صحية آمنة. ولهذا اتجهت معظم دول العالم إلى سن الأنظمة التي تمنع التدخين في تلك الأماكن، مع تخصيص مواقع منفصلة للمدخنين، تحقيقًا للتوازن بين حقوق الأفراد وحماية الصحة العامة.

وتُعد المملكة العربية السعودية من أوائل الدول في المنطقة التي تبنّت سياسات وتشريعات صارمة لمكافحة التدخين وحماية المجتمع من أضراره، حيث منعت التدخين في الأماكن العامة المغلقة، ووسائل النقل، والمرافق الحكومية، والمراكز التجارية، والمطاعم والمقاهي، وفرضت عقوبات على المخالفين. ولم يكن الهدف من هذه الإجراءات التضييق على المدخنين، وإنما حماية حق المجتمع في بيئة صحية خالية من التلوث، وصون صحة الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى من أخطار التعرض القسري لدخان التبغ. وقد أثبتت هذه السياسات أن حماية الصحة العامة مسؤولية مشتركة، وأن حق الإنسان في استنشاق هواء نقي مقدَّم على أي ممارسة شخصية تلحق الضرر بالآخرين.

إن مكافحة التدخين القسري ليست حربًا على المدخنين، وإنما دفاع عن الأبرياء الذين يُجبرون على استنشاق السموم. فالمجتمع الذي يحمي أفراده من التلوث والمرض هو مجتمع يحترم الإنسان وكرامته وحقه في الحياة الصحية.

لذلك فإن الواجب اليوم ليس فقط التوعية بأضرار التدخين، بل أيضًا ترسيخ ثقافة احترام حق غير المدخنين في هواء نقي، وتجريم كل ممارسة تجعل الأبرياء شركاء قسريين في عادة قاتلة. فالتدخين ليس شأنًا شخصيًا عندما يتحول دخانه إلى خطر يهدد صحة الآخرين.

إنها ليست مسألة ذوق أو مجاملة، بل قضية حق وعدالة وصحة عامة. ومن حق كل إنسان أن يتنفس هواءً نقيًا، ومن واجب المجتمع أن يحميه ممن يحاول تحويل هذا الحق الطبيعي إلى دخان ومرض ومعاناة.

‫شاهد أيضًا‬

السودان… عندما تتحول الحلول إلى مشاكل

> في السياسة لا تبدأ الأزمات دائمًا حين تغيب الحلول… بل أحيانًا تبدأ عندما تنجح الحلول …