الرتج على مفترق الطرق.. هل ينتصر صوت الحكمة أم تدفع الفتنة الجميع إلى الهاوية؟
حديث الساعة إلهام سالم منصور

يمر السودان اليوم بمرحلة هي الأخطر في تاريخه الحديث، مرحلة تتطلب من الجميع أن يضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن يدركوا أن أي نزاع جديد مهما بدا محدوداً في بدايته قد يتحول إلى جرح نازف يضاف إلى جراح الوطن الكثيرة. ومن هذا المنطلق تأتي الأحداث التي تشهدها منطقة الرتج بين الرشايدة والبشاريين لتفرض على الجميع وقفة جادة ومسؤولة قبل أن تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة.
إن الرشايدة والبشاريين ليسوا خصمين طارئين على أرض السودان، بل مكونان أصيلان من مكونات النسيج الوطني، جمعتهما الأرض والتاريخ والمصالح المشتركة وروابط الجوار لعقود طويلة. وما يجمع أبناء الشرق أكبر بكثير من أي خلاف عابر أو نزاع يمكن أن يحدث حول مورد أو حدود أو مصالح آنية. لذلك فإن الحكمة تقتضي أن يُنظر إلى القضية بعين الوطن لا بعين الانفعال والغضب.
لقد دفع المواطن السوداني ثمناً باهظاً للحروب والصراعات خلال السنوات الماضية، وفقد الأمن والاستقرار والتنمية، وأصبح يبحث عن بارقة أمل تعيده إلى حياة طبيعية تحفظ له كرامته وحقوقه. فكيف يمكن لشعب أنهكته الحرب أن يتحمل نزاعاً جديداً بين أبنائه؟ وكيف لوطن يسعى إلى تضميد جراحه أن يسمح بفتح جراح أخرى في وقت يحتاج فيه الجميع إلى الوحدة والتماسك؟
إن أخطر ما في النزاعات القبلية أنها تبدأ بخلاف محدود ثم تتحول إلى حالة من الاحتقان يصعب احتواؤها إذا غاب العقلاء وتأخر صوت الحكمة. وحينها لا يكون الخاسر طرفاً دون آخر، بل تكون الخسارة للوطن بأكمله. تتعطل مصالح المواطنين، وتتراجع فرص التنمية، وتتوسع دائرة الكراهية، بينما يقف المواطن البسيط يدفع الثمن من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.
وعلى القيادات الأهلية والرموز المجتمعية والشباب من الجانبين أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية في هذه اللحظة المفصلية. فالكلمة الطيبة قد تمنع إراقة الدماء، والحوار الصادق قد يغلق أبواب الفتنة قبل أن تُفتح، والتنازل من أجل الوطن ليس ضعفاً بل شجاعة وحكمة وبعد نظر.
كما أن على الجهات الرسمية أن تتدخل بسرعة وحزم لاحتواء أي توتر، وتوفير منابر للحوار والتفاهم، وتطبيق القانون بعدالة تحفظ الحقوق وتمنع أي جهة من استغلال الأوضاع لتحقيق مكاسب على حساب أمن المواطنين واستقرار المنطقة.
إن الشرق السوداني ظل عبر تاريخه عنواناً للتعايش والتسامح والتكافل الاجتماعي، ولا يجوز أن يتحول إلى ساحة للصراع والتنازع. فالسودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى بناء الجسور لا المتاريس، وإلى جمع القلوب لا تفريقها، وإلى صناعة السلام لا توسيع دائرة النزاعات.
رسالتي إلى الرشايدة والبشاريين: أنقذوا الرتج من نار الفتنة، وارفعوا راية الحكمة قبل أن ترتفع رايات الحزن. فالوطن الذي نزفت جراحه طويلاً لا يحتمل جرحاً جديداً، والشعب الذي صبر كثيراً يستحق أن يرى أبناءه متكاتفين لا متخاصمين.
حفظ الله السودان، وجعل صوت العقل أعلى من صوت السلاح، ووحدة الوطن أقوى من كل أسباب الفرقة والخلاف.
الجمعة١٩يوتيز٢٠٢٦
شبكة أطباء السودان: استهداف الكهرباء والوقود بالأبيض يفاقم الأزمة الإنسانية لمليون مواطن ونازح
تتابع شبكة أطباء السودان بقلق بالغ القصف الذي استهدف المنشآت المدنية بمدينة الأبيض والذي ط…





