قراءة في التقرير الوطني لحقوق الإنسان وتجليات الصمت الدولي
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
لم تكن الحرب الدائرة في السودان مجرد نزاع مسلّح عابر بين قوتين، بل تحولت بفعل الممارسات الممنهجة للمليشيا المتمردة إلى زلزال وجودي يهدد البنية الأساسية للدولة والإنسان على حد سواء. ويأتي التقرير الرابع للمفوضية القومية لحقوق الإنسان، المقدم لآلية الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان، كوثيقة تاريخية وقانونية تضع المجتمع الدولي أمام مرآة عار تلوّح بمسؤوليتها الأخلاقية والقانونية. فالأرقام الصادمة والشهادات الموثقة لم تترك مساحة للتشكيك، بل رسمت لوحة مأساوية لواقع بات يُصنّف رسمياً بأنه “أسوأ كارثة إنسانية شهدها العالم في العصر الحديث”.
إن ما يثير الفزع في طيات التقرير الحقوقي الشامل ليس مجرد حجم الخسائر، وإنما الاستهداف الممنهج للأعيان المدنية التي تشكل عصب الحياة للمواطن السوداني. عندما تتحدث الإحصاءات عن تدمير 80% من مؤسسات القطاع الصحي، فإننا لا نتحدث عن أضرار مادية، بل عن حكم إعدام جماعي نُفّذ بحق الملايين من المرضى والنساء والأطفال الذين حُرموا من حقهم الأساسي في العلاج والدواء. هذا الإمعان في التدمير امتد ليشمل المؤسسات التعليمية والمرافق العامة، مما يعكس رغبة دفينة في تجريف الحاضر ورهن المستقبل.
ولم يتوقف هذا التخريب عند حدود المنشآت الطبية والتعليمية، بل طال الهوية الاقتصادية والمؤسسية للبلاد؛ فنظرة سريعة على نهب البنك المركزي وعشرين من البنوك التجارية، وتدمير ثمانية مطارات رئيسية وتضرر خمسين طائرة مدنية بالقصف، تكشف عن استراتيجية واضحة لإحداث شلل تام في مفاصل الدولة. إن هذا السلوك لا يمت بصلة لأي أجندة سياسية أو عسكرية مشروعية، بل هو تخريب خالص يستهدف إفقار الشعب السوداني ودفعه نحو حافة المجاعة والانهيار الكلي.
أبرز ما رصده التقرير الحقوقي من انتهاكات المليشيا المتمردة: تشريد أكثر من 14 مليون شخص بين نازح داخلي ولاجئ خارج الحدود.
وقوع نحو 25 مليون مواطن تحت وطأة المعاناة القاسية من نقص الغذاء الحاد، ورصد أكثر من 6 آلاف حالة احتجاز تعسفي في سجون الفاشر وحدها وسط ظروف مأساوية، وتدمير ممنهج شمل 80% من القطاع الصحي، ونهب البنوك، واستهداف مقار البعثات الدبلوماسية والأممية ودور العبادة.
أمام هذه الفظائع التي شملت العنف الموجه ضد النساء والأطفال، والانتهاكات الجسيمة للحق في التنقل والإقامة، يبرز تساؤل جوهري حول دور المنظومة الدولية المعنية بحقوق الإنسان. إن النقد اللاذع الذي وجهته المؤسسات الوطنية للصمت الدولي تجاه جرائم المليشيا يضع آليات الأمم المتحدة في مأزق مصداقية حرج. كيف يمكن للعالم الذي يتباكى على حقوق الإنسان في بقاع شتى أن يصم آذانه عن استغاثات ملايين السودانيين؟
والحقيقة التي لا يمكن حجبها بغربال البيانات الدبلوماسية الرمادية هي أن هذه الحرب ما كان لها أن تطول وتتمدد وتحدث كل هذا الدمار لولا الدعم الإقليمي والدولى اللامحدود الذي تتلقاه هذه المليشيا المتمردة من بعض الدول. إن استمرار تدفق السلاح والتمويل والغطاء السياسي لمرتكبي هذه الجرائم يجعل من تلك القوى شريكة أصيلة في كل قطرة دم سُفكت، وفي كل منزل نُهب، وفي كل طفل شُرّد.
بالرغم من قتامة المشهد، فإن تمسك المؤسسات الوطنية ومفوضية حقوق الإنسان بولايتها القانونية والأخلاقية انطلاقاً من “مبادئ باريس” يعد خطوة هامة في اتجاه تعزيز الشفافية والحياد. إن إعداد هذا التقرير وعرضه في ورشة تشاورية ضمت الخبراء والأكاديميين والمنظمات الوطنية يمثل رداً مؤسسياً حاسماً يؤكد صمود الدولة وقدرتها على الرصد والتوثيق والتحليل حتى في أحلك الظروف.
إن المطلوب اليوم من الجهات العدلية والمؤسسات ذات الصلة ليس فقط مواءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، بل العمل الجاد على إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. يجب أن يتحول هذا التقرير الشامل إلى منصة انطلاق قانونية لملاحقة الجناة وقادتهم ومموليهم أمام المحاكم الوطنية والدولية.
ختاماً، إن حالة حقوق الإنسان في السودان لم تعد بحاجة إلى مزيد من الإثباتات؛ فالكارثة تتحدث عن نفسها في معسكرات النزوح وطوابير الجوعى والمستشفيات المدمرة. إن المجتمع الدولي ومجلس حقوق الإنسان أمام اختبار حقيقي لإثبات نزاهة آلياتهم، والتحول من خانة القلق والبيانات المعلبة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة ورادعة ضد المليشيا وداعميها الإقليميين، لمساندة الشعب السوداني في استرداد أمنه وكرامته وحقوقه السليمة.
سعادة والي الخرطوم (شفهيا) لا تسمن ولا تغني من جوع
12 يوليو 2026 سعادة احمد عثمان حمزة والي ولاية الخرطوم – الموقر – في ال…





