السودان… كيف تحولت المشاهدة إلى سلطة؟
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في كل يوم…
يشاهد السودانيون آلاف المقاطع.
لقطات قصيرة… صور متتابعة…
بثوث مباشرة… وعناوين تمر أمام أعينهم بسرعة لا تمنح العقل وقتًا كافيًا للتأمل.
وخلال دقائق معدودة… قد يغضب الإنسان ، ويتعاطف ،ويُصدر حكمًا ويتخذ موقفًا ، وربما يعيد تشكيل قناعته تجاه قضية كاملة…
دون أن يقرأ تقريرًا واحدًا، أو يراجع مصدرًا، أو يناقش أحدًا.
لقد أصبح كثير مما نعرفه اليوم…
نراه قبل أن نفهمه.
ولعل هذه هي واحدة من أعمق التحولات التي شهدها عصرنا.
فلم تعد السلطة حكرًا على من يتحدث…
ولا على من يكتب…
بل أصبحت، بصورة متزايدة، في يد من يستطيع أن يحدد ما يشاهده الناس.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
أولًا… حين انتقلت السلطة من الكلمة إلى المشهد
عرف التاريخ صورًا متعددة للسلطة.
حيث كانت السلطة يومًا في الأرض ثم في السلاح ، ثم في المال ثم في الإعلام.
لكن العصر الرقمي أضاف شكلًا جديدًا من السلطة لا يقل تأثيرًا عن جميع ما سبقه.
إنها… سلطة المشاهدة.
لم يعد السؤال الأهم:
من يتحدث؟
بل أصبح:
من يُشاهَد؟
فالكلمة قد تُهمَل…
أما الصورة فإنها تقتحم الوعي قبل أن يتهيأ العقل لمناقشتها.
ولذلك لم تعد معركة التأثير تبدأ بإقناع الإنسان…
بل تبدأ بالوصول إلى عينيه.
ثانيًا… نحن لا نشاهد الواقع فقط… بل نصنعه بما نشاهده
يظن كثيرون أن المشاهدة عملية محايدة.
لكنها ليست كذلك.
فالذي يتكرر أمام أعيننا…
يكتسب، مع الزمن، مكانة الحقيقة.
والذي يغيب عن المشهد…
يتراجع حضوره في الوعي، مهما بلغت أهميته.
ولهذا قد تتحول واقعة محدودة إلى قضية وطنية…
فقط لأنها حظيت بملايين المشاهدات.
وقد تمر قضية تمس مستقبل الدولة بأكملها…
دون أن تثير الاهتمام نفسه.
ليس لأن الأولى أهم…
بل لأنها كانت أكثر حضورًا على الشاشات.
وهكذا…
لا يعود حجم الحدث وحده هو الذي يصنع أثره…
بل حجم المشاهدة التي نالها.
ثالثًا… السودان… حين أصبحت الكاميرا طرفًا في الصراع
في السودان، لم تعد الكاميرا توثق الأحداث فحسب…
بل أصبحت، في كثير من الأحيان، جزءًا من الحدث نفسه.
لم يعد التصوير مجرد نقل للواقع…
بل أصبح وسيلة للتأثير فيه.
وصارت بعض المشاهد تُنتَج بعناية…
لا لتسجيل ما حدث…
بل لتحديد كيف ينبغي أن يفهمه الناس.
ولهذا لم تعد المعركة تدور حول السيطرة على الأرض وحدها…
بل حول السيطرة على المشهد.
فكل طرف يريد أن يقدم صورته
وروايته وزاوية نظره.
لأن الانتصار في الوعي…
قد يسبق الانتصار في الميدان.
رابعًا… اقتصاد المشاهدة
لقد اعتدنا أن نتحدث عن اقتصاد النفط.
ثم عن اقتصاد المعرفة.
أما اليوم…
فنحن نعيش، من حيث لا نشعر، داخل اقتصاد جديد…. إنه اقتصاد المشاهدة.
في هذا الاقتصاد، لا تتحول المشاهدة إلى رقم فحسب، بل إلى نفوذ، وتأثير، وشرعية رمزية، وقدرة على توجيه النقاش العام. ومع الزمن، لا يكتفي من يملك المشاهدة بأن يرفع صوته، بل يصبح قادرًا على خفض أصوات الآخرين، حتى يبدو ما لا يُشاهَد وكأنه لا وجود له. وهذا يعيدنا إلى قراءة مقال #أصل_القضية *السودان .. من شرعية المنصب إلى شرعية الصوت*
ولهذا لم تعد المنافسة على إنتاج أفضل تفسير…بل على إنتاج أكثر المشاهد قدرة على جذب الانتباه.
وعندما تصبح المشاهدة موردًا…
قد يصبح جذب النظر أهم من شرح الحقيقة.
خامسًا… حين أصبحت الخوارزمية رئيس التحرير الجديد
كان الناس يعرفون قديمًا من يختار الأخبار التي يقرؤونها.
أما اليوم…
فإن كثيرًا مما نشاهده لا يختاره إنسان بل تختاره خوارزمية.
لكن الخوارزمية لا تسأل:
ما القضية الأكثر أهمية؟
ولا:
ما الذي يحتاجه المجتمع؟
بل تسأل سؤالًا واحدًا:
ما الذي سيجعل الإنسان يبقى أمام الشاشة وقتًا أطول؟
ومن هنا…
تتقدم الإثارة على العمق.
ويتقدم الانفعال على التحليل.
ويتقدم العاجل على المهم.
لا لأن المجتمع اختار ذلك…
بل لأن منطق المنصة صُمم على هذا النحو.
سادسًا… أخطر ما في سلطة المشاهدة
ليست المشكلة أن الناس يشاهدون كثيرًا.
بل أن كثرة المشاهدة تمنح الإنسان إحساسًا سريعًا بأنه فهم.
بينما يكون قد رأى جزءًا صغيرًا فقط.
فالمشهد لا يكذب بالضرورة…
لكنه لا يقول كل الحقيقة.
والكاميرا لا ترى إلا زاوية واحدة.
أما الواقع…
فأوسع بكثير من إطار الصورة.
ولهذا فإن أخطر أوهام العصر…
هو الاعتقاد بأن ما شاهدناه…
هو كل ما حدث.
سابعًا… من يشاهد أكثر… لا يعرف أكثر
لقد أصبح من السهل أن نقضي ساعات طويلة أمام الشاشات.
لكن كثرة المشاهدة ليست مرادفًا لكثرة المعرفة ، بل قد يحدث العكس.
فالصور المتلاحقة تستهلك الانتباه…
وتمنع التأمل.
وتعطي الدماغ انطباعًا زائفًا بأنه أحاط بالواقع.
بينما يكون قد انتقل فقط…
من مشهد إلى آخر.
ومن انفعال إلى آخر.
ومن قصة إلى أخرى.
دون أن يمتلك الوقت الكافي لبناء فهم متماسك.
ولعل أخطر ما تغيّر في عصرنا أن الناس لم يعودوا يتنافسون على كسب العقول مباشرة…
بل على احتلال الطريق المؤدي إليها.
فالمشاهدة لم تعد مجرد نافذة نطل منها على العالم…
بل أصبحت الآلية التي يُعاد بها تشكيل العالم داخل وعينا.
ومن ينجح في أن يحدد ما نراه…
يقترب كثيرًا من أن يحدد ما نفكر فيه.
ثم ما نؤمن به.
ثم ما نقرره.
ثم ما نصبح عليه.
إذن لم تعد المشاهدة مجرد استهلاك للمحتوى، بل أصبحت طريقة لإدارة الواقع نفسه. فما لا يُشاهَد يكاد يختفي من الوعي العام، مهما بلغت أهميته، وما يُشاهَد باستمرار يكتسب وزنًا يتجاوز حجمه الحقيقي. وهكذا لم تعد السلطة تمارس نفوذها فقط عبر ما تقوله للناس، بل عبر ما تختاره لهم من مشاهد، وما تستبعده من مجال رؤيتهم. فقبل أن تُدار الأفكار… تُدار الرؤية.
#أصل_القضية…
ليست الأزمة أن نشاهد.
فالمشاهدة إحدى وسائل المعرفة.
لكن الأزمة تبدأ…
حين تصبح المشاهدة بديلًا عن الفهم.
والصورة بديلًا عن السياق.
واللقطة بديلًا عن الحقيقة.
ومن منظور الجسر والمورد…
فإن المشاهدة لم تعد مجرد وسيلة إعلامية…
بل أصبحت موردًا استراتيجيًا من موارد القوة.
لأن من يملك ما يُشاهَد…
لا يؤثر في ما يراه الناس فحسب…
بل يؤثر في أولوياتهم، وفي مخاوفهم، وفي آمالهم، وفي الطريقة التي يفسرون بها العالم.
ولهذا فإن حماية الوعي السوداني لا تعني أن نمنع الناس من المشاهدة…
بل أن نعيد إليهم القدرة على تجاوز المشهد إلى ما وراءه.
فالأمم لا تُهزم فقط عندما تخسر معركة على الأرض…
بل قد تُهزم أيضًا عندما يصبح وعيها أسيرًا لما يُعرض عليها، لا لما ينبغي أن تبحث عنه.
ولهذا…
فإن السؤال الذي ينتظرنا لن يكون:
كيف نصنع محتوى مؤثرًا؟
ولا:
كيف نزيد عدد المشاهدات؟
بل سؤالًا ربما يكون أكثر عمقًا من ذلك كله…
من يحكم وعينا… نحن أم الخوارزميات؟
سعادة والي الخرطوم (شفهيا) لا تسمن ولا تغني من جوع
12 يوليو 2026 سعادة احمد عثمان حمزة والي ولاية الخرطوم – الموقر – في ال…





