‫الرئيسية‬ مقالات موسكو والسودان.. هل تتحول أوراق النفوذ الروسي إلى مفتاح لإنهاء الحرب؟
مقالات - ‫‫‫‏‫20 دقيقة مضت‬

موسكو والسودان.. هل تتحول أوراق النفوذ الروسي إلى مفتاح لإنهاء الحرب؟

بقلم: د. نجلاء حسين المكابرابي

تتواصل متابعتنا للملف السوداني الروسي وفي هذه الزاوية نركز علي

زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى موسكو، ولقاؤه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 30 أكتوبر 2026، ونتناولها من ناحية سياسية حيث نجد ان موسكو تكتسب أهمية خاصة في المشهد السوداني من موقعها الدولي داخل مجلس الأمن، وعلاقاتها المتنامية مع القيادة السودانية، فضلاً عن قدرتها على التأثير في بعض معادلات التوازن الدولي. وقد جاء حديث بوتين خلال لقائه البرهان، مؤكداً دعم روسيا إنهاء العمليات العسكرية والانتقال إلى تسوية سياسية، مع إبداء الاستعداد لمناقشة ما يمكن أن تقدمه موسكو للمساعدة في تطبيع الأوضاع بالسودان.

 

وهذه إشارة سياسية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، لكنها لم تتحول بعد إلى مبادرة معلنة ذات آليات تنفيذ وضمانات محددة.

 

البحر الأحمر.. البعد الذي يتجاوز حدود الحرب

 

لا يمكن قراءة التحرك الروسي بمعزل عن الأهمية الجيوسياسية للسودان. فالبحر الأحمر هو أحد أهم شرايين التجارة والطاقة والأمن البحري العالمي. ومن هنا، فإن اهتمام موسكو بتوسيع حضورها في الساحل السوداني يرتبط برغبتها في تعزيز موقعها الاستراتيجي في منطقة تتقاطع فيها المصالح الروسية والغربية والإقليمية كما ذكرنا سابقا .

 

وتزداد دلالة هذا البعد مع طرح البرهان خلال مباحثاته في موسكو فرصاً للاستثمار الروسي في الذهب والنحاس والمعادن، إلى جانب مقترح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، وتوسيع التعاون في البنية التحتية والسكك الحديدية ومرافق تخزين الوقود والقمح. وبذلك تتشكل أمام موسكو معادلة تجمع بين المصالح الاقتصادية والحضور الاستراتيجي والاستقرار السياسي.

 

لكن هذه المصالح تضع أمام السودان مسؤولية إدارة علاقاته الدولية وفق رؤية وطنية متوازنة، تضمن ألا تتحول الموارد والمواقع الاستراتيجية إلى أثمان سياسية، ولكن إلى أدوات لدعم الاقتصاد وإعادة الإعمار وتعزيز السيادة الوطنية.

 

النفوذ الروسي.. ورقة ضغط أم منصة للوساطة؟

 

تمتلك روسيا بعض عناصر التأثير التي قد تجعلها شريكاً مهماً في أي مسار للتسوية؛ فهي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الخرطوم، ولها حضور مؤثر في مجلس الأمن، كما أن موقفها من قضايا السيادة ووحدة المؤسسات السودانية يمنحها مساحة للتواصل مع القيادة السودانية.

 

غير أن الوساطة الناجحة لا تقوم على النفوذ وحده، وإنما تحتاج إلى القدرة على التواصل مع أطراف الصراع، وامتلاك أدوات ضغط متوازنة، وتقديم ضمانات قابلة للتنفيذ. وهنا تبرز إحدى المعضلات الأساسية: هل تستطيع موسكو توظيف علاقاتها بالخرطوم في اتجاه وقف الحرب، وفي الوقت نفسه بناء قنوات تفاهم مع بقية الأطراف المؤثرة في النزاع؟

 

إن نجاح الدور الروسي يتطلب ألا يظل محصوراً في إطار العلاقات الثنائية، يجب أن يتحول إلى جهد دبلوماسي منسق مع القوى الإقليمية والدولية، خاصة مصر والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.

 

معضلة تعدد المبادرات وتضارب المصالح

 

أحد أكبر التحديات أمام أي تحرك روسي هو تعدد منصات الوساطة وتباين أجنداتها. فالسودان لم يعد أمام مسار تفاوضي واحد، وإنما أمام شبكة من المبادرات التي تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية.

 

وقد عكست مشاورات جنيف في 21 أكتوبر 2026، بمشاركة روسيا ونحو عشرين دولة ومنظمة إقليمية ودولية، إدراكاً متزايداً لضرورة تنسيق جهود السلام، والتأكيد على عدم وجود حل عسكري للحرب، ورفض المسارات التي تهدد وحدة السودان ومؤسساته.

 

وهذا التطور يفتح المجال أمام موسكو للمساهمة في صياغة موقف دولي أكثر تماسكاً، لكنه يضعها أيضاً أمام اختبار القدرة على العمل الجماعي بدلاً من تحويل الملف السوداني إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى.

 

من وقف إطلاق النار إلى إعادة تأسيس الدولة

 

إن إيقاف العمليات العسكرية، على أهميته، لا يمثل وحده نهاية الأزمة السودانية. فالتسوية الحقيقية لا بد أن تتناول الترتيبات الأمنية، وحماية المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين، وتأمين المساعدات الإنسانية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ثم إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تحدد مستقبل الحكم والانتقال المدني.

 

كما أن أي هدنة لا تستند إلى آليات مراقبة واضحة وضمانات ملزمة ستظل معرضة للانهيار، وربما تتحول إلى استراحة عسكرية يعقبها تجدد المواجهات.

 

ومن هنا، يمكن لموسكو أن تضيف قيمة حقيقية إذا أسهمت في توفير ضمانات دولية، ودعمت وقفاً متبادلاً للعمليات العسكرية، وعملت على منع تدفق الدعم الخارجي الذي يطيل أمد الحرب، بالتنسيق مع بقية الأطراف الدولية.

 

السودان أمام اختبار إدارة التوازنات الدولية

 

في المحصلة، لا تكمن أهمية التقارب السوداني الروسي في حجم الاتفاقيات الاقتصادية أو الوعود الاستثمارية وحدها، وإنما في مدى قدرة هذا التقارب على إنتاج مكاسب سياسية وأمنية تخدم استقرار السودان ووحدة أراضيه.

 

موسكو تمتلك أوراق نفوذ، والسودان يمتلك موقعاً جيوسياسياً وموارد استراتيجية تجعل منه شريكاً مهماً في حسابات القوى الدولية. لكن تحويل هذه المعادلة إلى سلام يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المصالح الآنية، وتضع إنهاء الحرب واستعادة الدولة في مقدمة الأولويات.

 

يكمن الاختبار الحقيقي لموسكو في قدرتها على توظيف هذا النفوذ لفتح أبواب السلام في السودان. فالقاعدة الاستراتيجية الأهم أن الدول التي تبحث عن شراكات طويلة الأمد لا تحتاج إلى موطئ قدم جغرافي فحسب، وإنما تحتاج إلى دولة مستقرة، موحدة، وقادرة على حماية مصالحها وشراكاتها.

 

والسودان، في هذه اللحظة المفصلية، يحتاج إلى تحويل علاقاته المتعددة إلى شبكة مصالح متوازنة تحمي سيادته، وتوقف نزيف الحرب، وتعيد بناء الدولة على أساس الإرادة الوطنية.

‫شاهد أيضًا‬

من يتوكل على الله فهو حسبه.. لا تيأسوا من لطف الله

مع ظهور موجات التثبيط المدفوع الممنهج هل يغفل الناس حقيقة أن العزة والمذلة بيد الله؟. ففي …