‫الرئيسية‬ مقالات عندما يجتمع القطيع ليقرر لا شيء… قراءة نقدية لمؤتمر برلين
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

عندما يجتمع القطيع ليقرر لا شيء… قراءة نقدية لمؤتمر برلين

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

مرة أخرى، يعود المشهد الدولي ليعيد إنتاج نفسه بذات التفاصيل: قاعات فخمة، وجوه دبلوماسية، كلمات منمقة، وبيانات ختامية تحمل عناوين كبيرة… لكنها تفتقر إلى الأثر الحقيقي. هكذا جاء “مؤتمر برلين” حول السودان، في صورة لا تختلف كثيرًا عن سابقيه، حيث يُدار الصراع من الخارج أكثر مما يُحل، وتُصاغ الحلول بعيدًا عن نبض الداخل.

ما خرج به المؤتمر من دعوات لوقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والعودة إلى المسار السياسي، لا يمكن من حيث المبدأ رفضه، لكنه يظل – في نظر كثير من السودانيين – تكرارًا لذات الخطاب الذي لم يُفضِ إلى نتائج ملموسة. فهذه العناوين، رغم أهميتها، بقيت حبيسة الأوراق، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ على أرض الواقع.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في النصوص، بل في السياق الذي تُطرح فيه. فالمؤتمر، بدلًا من أن يكون منصة لدعم إرادة السودانيين، بدا وكأنه مساحة لتقاطع المصالح الدولية، حيث يُنظر إلى السودان كملف سياسي، لا كوطن يعيش أهله واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه. وهذا ما يفسر حالة الرفض الشعبي الواسعة لما صدر عنه، ليس اعتراضًا على المبادئ، بل على طريقة إدارتها وغياب الثقة في جدواها.

لقد شعر كثيرون بأن القرارات لا تعكس أولوياتهم، ولا تنبع من معاناتهم اليومية، بل تُصاغ وفق حسابات خارجية قد لا تتطابق مع مصلحة البلاد. بل إن بعض المواقف بدت – في نظر منتقديها – وكأنها تمنح شرعية غير مباشرة لأطراف ساهمت في تعقيد الأزمة، وهو ما يزيد من حدة الشكوك حول نوايا بعض الفاعلين الدوليين.

ومع ذلك، فإن التعامل مع مؤتمر برلين لا ينبغي أن يكون قائمًا على الرفض المطلق أو القبول المطلق. المطلوب اليوم هو ما هو أعمق من ذلك: قراءة نقدية واعية. قراءة تدرك أن الحل الحقيقي لن يأتي من الخارج وحده، بل يبدأ من الداخل، عبر بناء توافق وطني حقيقي، واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع، وتعزيز دور المؤسسات الوطنية القادرة على إدارة المرحلة.

كما أن على المجتمع الدولي، إن كان جادًا في مساعدة السودان، أن يعيد النظر في مقاربته. فمرحلة البيانات لم تعد كافية، والتصريحات الدبلوماسية لم تعد تقنع أحدًا. المطلوب هو الانتقال إلى أفعال حقيقية، تدعم الاستقرار، وتحترم سيادة البلاد، وتضع مصلحة الشعب السوداني فوق أي اعتبارات أخرى.

إن استمرار التعامل مع السودان كملف ضمن أجندة مزدحمة لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة. فالأوطان لا تُدار بالاجتماعات وحدها، ولا تُبنى عبر توصيات عامة، بل تحتاج إلى إرادة صادقة، ورؤية واضحة، والتزام فعلي بالتنفيذ.

في النهاية، يبقى الدرس الأهم واضحًا:

أن الأوطان لا تُبنى في قاعات المؤتمرات، ولا تُحمى بالبيانات الرسمية، بل بإرادة شعوبها، ووعيها، وقدرتها على التمييز بين من يسعى لمساعدتها، ومن يتعامل معها كرقم في معادلة دولية.

فالتاريخ قد يعيد نفسه، نعم…

لكن الشعوب الواعية هي وحدها القادرة على كسر هذه الدائرة، وصناعة مستقبلها بعيدًا عن وصاية الآخرين.

‫شاهد أيضًا‬

الحركة الاسلامية تنعي الشيخ الخليفة الطيب الجد 

﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن ق…