‫الرئيسية‬ مقالات حينما تضيق الخيارات ، أبناء كردفان بالمليشيا المتمردة أمام القرار الصعب
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

حينما تضيق الخيارات ، أبناء كردفان بالمليشيا المتمردة أمام القرار الصعب

دبابيس حارة بقلم عثمان يونس

حين تضيق الخيارات وتتشابك الطرق أمام أبناء كردفان المنخرطين في المليشيا المتمردة ، لا يبقى أمامهم سوى مواجهة الحقيقة كما هي ، بلا تزييف او تضليل ، بل واقع مرير تشكلت ملامحه على وقع الدمار الذي طال المدن والقرى والفرقان ، وعلى أنين الأسر التي شردت ، و دموع من فقدوا كل ما يملكون فى لحظة قاسية لم تكن فى الحسبان ، بل تحولت إلى تجربة وجودية هزت وجدان كردفان ، ووضعت أبناءها أمام اختبارٍ عسير بين الاستمرار في ذات الطريق أو التوقف لإعادة النظر في كل شيء.

 

في هذا المشهد القاسى ، تبدو الأسئلة أكبر من الإجابات وأكثر إلحاحا من أي وقت مضى كيف وصل الحال إلى ما هو عليه؟ ولماذا كان المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر دائما؟ وبين هذه التساؤلات يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه هل آن الأوان لأن ينتصر صوت العقل على ضجيج السلاح؟

فالمعاناة التي يعيشها الناس لم تحتمل مزيدا من التخريب أو المغامرات ، ولم يعد ممكنا تبرير ما حدث تحت أي مسمى ، بعد أن اتضحت النتائج على الأرض واقعا لا تخطئه العين .

 

لقد دفعت كردفان ثمنا باهظا ، ليس فقط في بنيتها التحتية أو مواردها ، بل في نسيجها الاجتماعي الذي ظل لعقود طويلة نموذجا للتعايش والتماسك.

اليوم ، تبدو تلك الروابط وقد أصابها الوهن بفعل الخوف والشكوك والانقسامات التي تسللت إلى القلوب. وما يزيد من قسوة المشهد أن كثيرا من الذين انخرطوا في المليشيا المتمردة هم من أبناء المنطقة أنفسهم ، وهو ما ضاعف من حجم الألم ، وجعل المواجهة مع الحقيقة أكثر صعوبة ، لكنها في الوقت ذاته ضرورة لا مفر منها.

 

المواطن الذي فقد منزله، أو نهبت ممتلكاته، أو اضطر إلى النزوح بحثا عن الأمان ، لا ينظر إلى المشهد من زاوية سياسية أو حسابات معقدة، بل من زاوية إنسانية خالصة. هو يبحث عن إجابة بسيطة لماذا حدث كل هذا؟ وهل يمكن أن يتكرر؟ هذه الأسئلة تختزن في داخلها خوفا مشروعا ، وغضبا مكبوتا ، وشعورا عميقا بالخذلان. لذلك فإن الحديث عن الغفران أو تجاوز المرحلة لا يمكن أن يكون دعوة عاطفية مجردة، بل مسارا طويلا يتطلب اعترافا صريحا ، وعدالة واضحة ، وجهدا حقيقيا لجبر الضرر وإعادة الحقوق.

 

ومن خلال هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى الكيانات المجتمعية والإدارات الأهلية الوطنية التي ظلت تاريخيا تمثل صمام أمان في أوقات الأزمات . فهذه المكونات ليست مجرد رموز تقليدية ، بل هي مراكز تأثير قادرة على توجيه الرأي العام، واحتواء التوترات ، وإعادة التوازن حين تختل المعادلات . واليوم ، تبرز الحاجة إلى دورها في حماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي، والعمل على إبعاد الشباب عن مسارات العنف التي لا تقود إلا إلى مزيد من الخسائر.

 

إن المسؤولية لم تعد تحتمل التأجيل أو التردد ، فاستمرار الوضع على ما هو عليه يعني ببساطة تعميق الجراح ، وتوسيع دائرة المعاناة، وإهدار ما تبقى من فرص للإنقاذ. لذلك فإن الدعوة إلى سحب الأبناء من أتون الصراع وإعادتهم إلى مسار الحياة الطبيعية هى ضرورة تمليها مصلحة المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة هؤلاء الشباب هم رأس المال الحقيقي لكردفان ، وخسارتهم تعني فقدان القدرة على النهوض حتى عندما تتوقف الحرب .

 

ولأن الأزمات الكبرى لا تحل بالشعارات ، فإن المطلوب اليوم هو مواقف واضحة وخطوات عملية تعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع ، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على أسس مختلفة ومرحلة يكون فيها الإنسان هو القيمة الأعلى وتكون فيها المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويكون فيها الاحتكام إلى العقل بديلا عن الانجرار وراء العاطفة أو الضغوط.

 

كردفان اليوم ليس جغرافيا مثقلة بالذكريات ، بل هي كيان حي يقف عند مفترق طرق حقيقي . إما أن تختار طريق التعافي عبر مراجعة شاملة وشجاعة تعترف بالأخطاء وتسعى لتصحيحها ، أو أن تستمر في دائرة مغلقة من الألم تتكرر فيها المآسي بأشكال مختلفة . ورغم قتامة الصورة ، فإن الأمل لا يزال ممكنا ، لأن المجتمعات التي تمتلك وعيا بذاتها وقدرة على النقد والمراجعة تملك أيضا فرصة النهوض من جديد .

 

الحقيقة المهمة أن ما حدث لا يمكن تغييره ، لكن ما سيحدث بعد ذلك لا يزال قيد الاختيار . وبين هذا وذاك ، يقف أبناء كردفان بالمليشيا المتمردة أمام قرار صعب ، قرار يحدد اما طريق الاستسلام او الخوض فى مستنقع الوحل ، وهذا القرار ليس فقط مآل الحاضر ، بل يصنع ملامح المستقبل الذي سيورث للأجيال القادمة .

‫شاهد أيضًا‬

البرهان يهنئ الرئيس الجيبوتي بمناسبة إعادة انتخابه رئيسا لجيبوتي

بعث السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الف…