‫الرئيسية‬ مقالات  العدل أساس السلام
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

 العدل أساس السلام

حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام _الحرب والسلام .(6_10)

ومما سبق، بعد أن فهمنا معنى الحرب لإحلال السلام قولًا وفعلًا، فإننا لا نعني بالقول الحديث المطلق أو الخطب الرنانة. إنما نعني بالقول: التشريع والقانون والنصوص. ونعني بالفعل: تنفيذ الأحكام التي أقرها الدستور والتشريع. ليكونا معًا كفتي الميزان القائم بالقسط. فبدون عدل، فلا قول ينفع ولا فعل يشفع، ولا عرف الناس السلام.

 

وبما أن السلام قول طيب يصدقه فعل صالح يجب أن يوقر في القلب ليكون إيمانًا تنبع منه إرادة السلام.

 

_فالعدل والسلام هما شيء واحد. فمن أقام العدل سلم، ومن سلم فبالعدل. فأركان العدل هي دعائم السلام. فالعدل هو صائن الأصل قياسًا على الحرب._

 

_وطريقة المشي إلى السلام تبدأ أولًا: بالإرادة الصادقة التي تحمل كفتي الميزان. ولقد تطرقنا من قبل إلى طريقة مشي العوام، والآن نتطرق إلى طريقة مشي الحكام في طريق السلام التي تبدأ بالإرادة كسابقتها مع اختلاف المقام. قال تعالى: _وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ_ [آل عمران: 159]. فلا ميزان بلا شورى، ولا شورى بلا عزم، ولا عزم بلا توكل._

 

_فالإرادة الصادقة هي التي تحمل كفتي الميزان، فإن سقطت الإرادة اختل الميزان وخسرت الكفتان._

 

_1. كفة القول هي التشريع العادل_

والعدل هو: وضع الشيء في موضعه الذي أمر الله به، وإعطاء كل ذي حق حقه بلا زيادة ولا نقصان. والتشريع العادل هو نور رباني، والعدل هو اسم من أسماء الرحمن. قال تعالى: _”اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”_ [النور: 35]. فنور هدايته هو الهادي إلى التشريع. هذا النور يضيء جنبات القلب قبل أن يضيء جنبات الطريق. فإن استنار القلب بالعدل، اطمأنت النفس، وسكن الخوف، وهدأت مجامع الأضغان في النفس. فإذا استنار القلب بالعدل صلح سائر الجسد في الدولة. لأن الدولة جسد، والقلب فيها هو التشريع. فإذا فسد التشريع، فسد الأمن والقضاء والاقتصاد والمعاش. العقل البشري لا يصدق قانونًا لا يرى فيه نفسه، ولا يأمن لحكم يميل لغيره. الحرب أسقطت هذه الكفة يوم صار الحكم يُكتب لمصلحة القوي، ويُطبق على الأعزل ويُعفى منه المسلح. فانطفأ النور في القلوب، وانكسرت الثقة، ومات الأمان. فلا سلام في نفس ترى القانون سيفًا عليها لا لها.

 

_2. كفة الفعل: الحكم العادل المستند إلى الشرائع والقانون_

نقصد بالفعل: تنفيذ الأحكام التي أقرها الدستور والتشريع بلا محاباة. فالعدل في الفعل هو مساواة الناس في المنع والعطاء والحقوق والواجبات.

 

_والنفس البشرية جُبِلت على حب الخير ورفض الظلم._ فإذا رأت الحكم يُفصَّل لفئة دون أخرى، والعطاء يشمل الخواص ويُمنع العوام، والعفو انتقاء لمن يملك القوة والسلاح، اشتعل الغضب، وترسخت ذاكرة الألم، وتولد الحقد. أما إذا رأت الميزان قائمًا، يُطبَّق على القوي قبل الضعيف، كما قال النبي ﷺ: “وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، هدأ الغضب، وانطفأت شهوة الانتقام، واطمأن الناس. فالعدل في الفعل يشفي الصدور ويحفظ الحقوق ويمنع الحرب قبل الوقوع.

 

_فطريق السلام: أقيموا الإرادة الصادقة التي تحمل كفتي الميزان_

لا سلام بكفة مائلة، ولا كفة تقوم بلا إرادة تحملها. إن مالت كفة القول احترق الناس بالظلم، فصاروا وقود الحرب. وإن مالت كفة الفعل غرق الناس بالمحاباة، فصاروا عبيد الحقد. وإن سقطت الإرادة اختل الميزان وخسرت الكفتان. فأقيموا أولًا الإرادة الصادقة بالشورى والعزم والتوكل، ثم أقيموا بها كفتي الميزان: كفة قولٍ هي التشريع العادل كنور رباني يضيء القلب فتطمئن، وكفة فعلٍ هي الحكم العادل المستند إلى الشرائع والقانون فيأمن الناس.

 

_فلا سلام مع جوع ولا أمن ولا استقرار._ قال تعالى: _”لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ _ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ _ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ _ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ”_ [قريش: 1-4]. فجعل الإطعام من الجوع والأمن من الخوف أساسًا للإيلاف والعبادة. فإن سقط الإطعام والأمن، سقط الإيلاف، وعاد الناس إلى الحرب.

 

_والدليل من الإسلام:_ أمر الله بالعدل وجعله ميزان الخلق كله. قال تعالى: _”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ”_ [النحل: 90]. فقدم العدل لأنه الأصل الذي يحفظ الإحسان من أن يصير ظلمًا. وقال: _”وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ”_ [النساء: 58]. بين الناس كلهم، لا بين أتباعكم. وختم سورة الرحمن بميزان السلام: _”وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ”* [الرحمن: 9].

 

فالعدل أساس السلام، لأن العدل هو اسم من أسماء الرحمن، وهو الذي قام عليه الميزان كله. وبه تستقيم نفس الإنسان، ويصلح سائر الجسد في الدولة، ويمشي الناس إلى السلام.

 

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

السبت/ 2/مايو /2026

‫شاهد أيضًا‬

مسرح الظل في حرب السودان..

فرض مجلس الأمن الدولي الثلاثاء عقوبات على القوني حمدان دقلو وثلاثة مرتزقة كولومبيين، على خ…