‫الرئيسية‬ مقالات شريان النيل: عودة الروح لمسار الوجدان
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

شريان النيل: عودة الروح لمسار الوجدان

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

يقولون إن النيل لا يغير مجراه، ويبدو أن القلوب التي ارتبطت ضفافه لا تغير بوصلتها مهما طال البعاد. مع إعلان بدء الرحلات التجريبية للملاحة النهرية بين السد العالي ووادي حلفا، لم تكن تلك مجرد سفينة تشق عباب الماء، بل كانت إبحاراً عكس تيار الزمن، لتوقظ في نفوسنا ذكريات لا تموت، سكنت وجدان جيل السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

كانت رحلة النيل بين “أسوان” و”حلفا” بالنسبة لنا كطلاب علم آنذاك، أكثر من مجرد وسيلة نقل؛ كانت طقساً مقدساً من طقوس الحياة. تبدأ الرحلة بصافرة قطار من “باب الحديد” في القاهرة متجهاً نحو السد العالي، حيث يلتقي الأشقاء في عرس إنساني فريد، ثم نعتلي ظهر الباخرة التي كانت جسراً يربط بين حضارتين وتاريخين ومصير واحد. وما أن نصل إلى وادي حلفا، حتى يشرع قطار الخرطوم في مد ذراعيه يحتوينا، في رحلة كانت تمثل أسمى معاني التكامل العفوي والبساطة التي لم تشبها تعقيدات السياسة أو حواجز الجغرافيا.

اليوم، حين نستقبل الباخرة “سيناء” وهي ترسو في ميناء وادي حلفا، بعد انقطاع دام سنوات، فإننا لا نتحدث فقط عن عودة وسيلة نقل، بل نتحدث عن ترميم “شريان الوجدان” الذي يربط بين شعبي وادي النيل. إن الحفاوة الشعبية و الدموع التي ترقرقت في عيون مستقبليه في حلفا، تعكس توقاً دفيناً لهذا التواصل الحميمي الذي تعطل طويلاً بسبب التحديات الفنية وتذبذب مستويات المياه.

إن عودة هذا الخط الملاحي، الذي تشرف عليه هيئة وادي النيل بشراكات استراتيجية جديدة، تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز الاقتصاد والتجارة. نعم، هي بوابة للتجارة الدولية نحو العمق الأفريقي، وهي حل عملي لأزمات النقل وتكاليفه، لكنها في المقام الأول “جسر اجتماعي” يعيد لمّ شتات الأسر الممتدة، ويحيي ذكريات الطلاب والمسافرين والتجار الذين كان النيل بالنسبة لهم “طريق الحرير” الذي لا ينقطع عطاؤه.

لقد أكدت الرحلات التجريبية أن المسارات الملاحية باتت آمنة، وأن الإرادة الرسمية في البلدين، مدعومة بجهود دؤوبة لتسهيل الإجراءات والتأشيرات، أصبحت أكثر وعياً بضرورة هذا الشريان. إن “وادي حلفا” و”أسوان” ليسا مجرد نقطتي حدود، بل هما الرئتان اللتان يتنفس بهما وادي النيل، وعودة الحركة بينهما تعني استعادة العافية لعلاقة تاريخية ضاربة في الجذور.

نحن اليوم أمام لحظة تاريخية تعيد ترتيب أوراق التكامل الحقيقي. بالبواخر النيلية ليست حديداً يطفو فوق الماء، بل هي رسائل حب متبادلة، وقصص تروى، ومستقبل يبنى على أنقاض العزلة. إن عودة الملاحة النهرية هي انتصار للإنسان، وللتاريخ، وللنيل الذي أبى إلا أن يظل الرابط الأبدي الذي لا يقطعه جفاء، ولا تحجبه غيمة.

تحية لكل يد ساهمت في إعادة الروح لهذا الخط الملاحي، وتحية لأهل حلفا الذين أثبتوا بحسن استقبالهم أن النيل يجري في عروقهم قبل أن يجري في أرضهم. لقد عادت الصافرة لتصدح من جديد، ومعها يعود الأمل في غدٍ أكثر ترابطاً وازدهاراً.

‫شاهد أيضًا‬

مسرح الظل في حرب السودان..

فرض مجلس الأمن الدولي الثلاثاء عقوبات على القوني حمدان دقلو وثلاثة مرتزقة كولومبيين، على خ…