‫الرئيسية‬ Uncategorized شئ للوطن م.صلاح غريبة سياحة السودان: كلمة حق وانسحاب الموقف المبدئي
Uncategorized - مقالات - نوفمبر 10, 2025

شئ للوطن م.صلاح غريبة سياحة السودان: كلمة حق وانسحاب الموقف المبدئي

شئ للوطن  م.صلاح غريبة  سياحة السودان: كلمة حق وانسحاب الموقف المبدئي

Ghariba2013@gmail.com

شهدت الجلسة الافتتاحية للدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة، المنعقدة حالياً في الرياض، موقفاً سودانياً لافتاً يستحق الإشادة والتأمل. لم يكن انسحاب وفد السودان، برئاسة وزير الثقافة والإعلام والسياحة الأستاذ خالد الإعيسر، مجرد إجراء بروتوكولي أو احتجاج عابر، بل كان رسالة سياسية وإنسانية عميقة تكسر صمت المحافل الدولية حول مسؤولية الأطراف الإقليمية في تأجيج الصراعات وتدمير مقدرات الشعوب.

رسالة الحق من منصة السياحة

في قلب مؤتمر مخصص للسياحة، اختار السودان ألا يفصل بين الجانب التنموي والواقع المأساوي الذي يعيشه. الكلمة التي ألقاها الوزير الإعيسر كانت صريحة ومباشرة: لقد أصاب الدمار الممنهج قطاع السياحة السوداني – بجميع بنيته التحتية والفوقية – نتيجة لـ “اعتداءات ميليشيا الدعم السريع المدعومة من قوى إقليمية وخارجية”. هذه القوى، التي “انتهكت مبادئ الأخوة وحسن الجوار”، أسهمت بفاعلية في “تمويل وتغذية آلة الحرب التي دمرت مقدرات الشعب السوداني”.

إن اختيار هذا المحفل “السياحي” لإيصال هذه الرسالة يحمل دلالة قوية؛ فالسياحة هي بطبيعتها قطاع سلام واستقرار وتنمية. تدميرها هو تدمير لمقومات الحياة الآمنة. دعوة السودان لم تكن مجرد شكوى، بل كانت نداءً قوياً للدول الأعضاء لـ “استهجان المواقف والممارسات التي تسهم في تقويض الاستقرار والتنمية”، ومطالبة للمجتمع الدولي بـ “اتخاذ موقف موحد ضد الدول والجهات التي تساند الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون، حمايةً للتراث الإنساني وصوناً لمستقبل الشعوب”.

الذروة في الموقف السوداني تجسدت في الانسحاب الفوري لوزير الثقافة والإعلام والسياحة ووفد بلاده، مباشرة بعد انتهاء الكلمة و”قبل لحظة التصويت للمرشحة الإماراتية الجديدة” لمنصب الأمين العام للمنظمة. هذا التحفظ العلني والانسحاب المباغت، في ظل هذا المحفل الدولي، يمثل تأكيداً لموقف السودان “الرافض لاختيار رئيس للمنظمة من دولة الإمارات العربية المتحدة”.

هنا يكمن الجانب الأكثر جرأة ومبدئية. من المعروف أن الدول تسعى غالباً لـ “تسييس” المناصب الدولية، لكن السودان هنا قام بـ “تأميم” الموقف الأخلاقي. لقد رفض أن يمنح شرعية التصويت – حتى بالامتناع – لدولة يراها مسؤولة إقليمياً عن تمويل الآلة الحربية التي دمرت بلاده. هذا الموقف لا يقل أهمية عن أي قرار سياسي؛ فهو يربط بوضوح بين مفهوم التنمية المستدامة والأخلاق الدولية. كيف يمكن لدولة متهمة (من وجهة نظر السودان) بتقويض الأمن الإقليمي وتغذية الحرب أن ترأس منظمة غايتها الأساسية هي تعزيز السلام والتفاهم من خلال السياحة؟

إن موقف السودان يعري مسألة ازدواجية المعايير والمسؤولية الإقليمية. لقد قدم تضحية سياسية في محفل دولي يضم أكثر من 150 دولة، مفضلاً المبدأ على المجاملة، ومستخدماً حق السيادة في التعبير عن الرفض. هذا الانسحاب ليس سلبياً، بل هو فعل مقاومة دبلوماسية يسجل في سجل المنظمة كتحفظ رسمي وعلني على انتخاب مرشح من دولة محددة بعينها.

لقد أكد السودان من الرياض – التي شكر قيادتها وحكومتها وشعبها على حسن التنظيم – أنه سيغتنم مثل هذه المحافل لإيصال رسائل حث الدول على الوقوف إلى جانبه. وفي هذا الموقف تحديداً، حقق السودان هذا الهدف بأروع صورة: نقل قضية تدمير التراث ومقومات السياحة من مجرد صراع داخلي إلى قضية مسؤولية إقليمية ودولية يجب على قادة العالم الالتفات إليها، والبدء بعزل المسبب عن قيادة المؤسسات الدولية المنوط بها نشر التنمية والسلام.

هذا الموقف السوداني المبدئي هو بحق “كلمة حق” و”انسحاب الموقف” الذي يذكر العالم بأن التنمية والسياحة لا يمكن أن تزدهرا على أنقاض الدمار والتمويل الخارجي لآلة الحرب.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…