إتجاه البوصلة. بقلم/الجزولي هاشم. الشرق لا يطعن في الظهر(3).

“السودان بين مطرقة الابتزاز الغربي وسندان التحالفات الاستراتيجية”
في عالم تحكمه المصالح وتتلاشى فيه الشعارات، لم يعد من الممكن لدولة كالسودان، التي تمرّ بمرحلة مفصلية من تاريخها، أن تبقى رهينة لوعود القوى الغربية، ولا لخطابات الدعم المشروط التي كثيرًا ما كانت مدخلاً للهيمنة والتفكيك. لقد آن الأوان لإعادة ترتيب الأولويات والتحالفات، بعيدًا عن منطق التبعية، والبحث عن بدائل تحفظ السيادة وتؤسس لمستقبل مستقر.
الواقع أثبت أن الابتزاز الغربي لا يأتي فقط من المؤسسات السياسية أو الاقتصادية، بل حتى من المنصات الإعلامية والمواقف الدولية المزدوجة. فكل دعم مشروط، وكل مبادرة “إنسانية” مشبوهة، كانت في حقيقتها غطاءً لمزيد من الضغط لفرض خارطة سياسية لا تخدم مصالح السودان، بل تمزّقه أكثر مما تبنيه.
في المقابل، تبرز دول الشرق كخيار استراتيجي واقعي وعقلاني. فالصين، روسيا، تركيا، وبعض دول آسيا، تتعامل مع السودان بمنطق المصالح المتبادلة، لا الإملاءات. لم تفرض هذه الدول نماذج حكم، ولم تربط دعمها بمواقف سياسية داخلية، بل طرحت شراكات في مجالات الطاقة، الزراعة، الأمن، والتقنية، دون تدخل في القرار الوطني.
لماذا يحتاج السودان إلى تحالفات مع الشرق؟
1. لتحقيق توازن في السياسة الخارجية، بعيدًا عن محاولة بعض النخب الارتهان للمحور الغربي.
2. لتأمين الأمن القومي والسيادي دون الوقوع في فخ “الدعم مقابل التنازل”.
3. لبناء اقتصاد منتج ومستقل بدعم استثماري شرقي حقيقي.
4. لتطوير البنية التحتية والقدرات العسكرية خارج نطاق الضغوط الدولية.
5. ولتحرير القرار الوطني من قبضة الابتزاز، الذي كثيرًا ما أُلبِس ثوب “الديمقراطية” أو “حقوق الإنسان”.
التحالف مع الشرق لا يعني الانغلاق، ولا العداء مع أحد، بل هو إعادة تموضع ذكي، في عالم متعدد الأقطاب، يتيح للسودان أن يختار شراكاته وفق مصالحه، لا وفق ما يُملى عليه من الخارج.
في هذا السياق، لا بد من التحرر من عقدة الخوف من الغرب، وأن يدرك السودان أن سيادته لا تُصان عبر الرضوخ، بل عبر بناء قوة حقيقية وتحالفات متوازنة. إننا لا نبحث عن عدو جديد، بل عن شريك لا يطعن في الظهر، ولا يطلب المقابل كخنجر في الخاصرة.
الشرق لا يطعن في الظهر، لأنه لا يمد يده إلا للمصافحة، لا للطعن. وفي زمن تتعدد فيه المؤامرات، فإن السودان أحوج ما يكون إلى شراكة تحفظ كرامته، لا تباع فيها سيادته بثمن الدعم الدولي.
المرحلة القادمة تتطلب رؤية وطنية واضحة، تقودها النخب السيادية، والمؤسسات الأمنية، والفكرية، والإعلامية، نحو تحالفات تصنع التوازن، وتمنح السودان فرصة للخروج من دوامة الفوضى نحو مستقبل يليق به وبشعبه.
إتجاه البوصلة ، السودان قادر على النهوض… بشرط أن يحسن اختيار من يقف بجانبه، لا من يقف فوقه.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
نصر من الله وفتح قريب.
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





