‫الرئيسية‬ مقالات كيف أخطأت النرويج في قراءة حرب السودان؟ د. محمد الزين محمد المحامي، أوسلو
مقالات - نوفمبر 20, 2025

كيف أخطأت النرويج في قراءة حرب السودان؟ د. محمد الزين محمد المحامي، أوسلو

كيف أخطأت النرويج في قراءة حرب السودان؟  د. محمد الزين محمد المحامي، أوسلو

من الإنسانية الانتقائية إلى التطبيع مع المليشيات

تقدّم النرويج نفسها عالميًا بوصفها دولة راعية للسلام وحقوق الإنسان، لكن موقفها من الحرب في السودان يكشف تناقضات لافتة بين ما ترفعه من مبادئ وما تمارسه على الأرض. فبينما تكرر أوسلو خطاب القلق الإنساني، فإن قراءتها للصراع واستراتيجيات تعاملها السياسي تُظهر انحيازًا ضمنيًا لقوى متحالفة مع مليشيا الجنجويد -قوات الدعم السريع، الأمر الذي ساهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.

 

تشخيص خاطئ لطبيعة الحرب

ترى النرويج أن الحرب في السودان مجرد نزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع(مليشيا الجنجويد)، أو صراع شخصي بين البرهان وحميدتي، أو مواجهة بين “الإسلاميين” والقوى المدنية. هذه المقاربة السطحية لا تعكس الحقائق على الأرض، ولا تقدم تفسيرًا لطبيعة الحرب ولا دوافعها.

فالوقائع والدلائل تشير بوضوح إلى أن ما يجري عدوان خارجي منظم تقوده دولة الإمارات العربية المتحدة التي سلّحت ومولت الدعم السريع، بمساندة قوى سياسية بعينها تُعاملها النرويج كشركاء سياسيين. كما لعبت تشاد دورًا حاسمًا بتوفير ممرات وأراضٍ لنقل السلاح والمرتزقة، فضلًا عن مشاركة مقاتلين (مرتزقة )من ليبيا وإفريقيا الوسطى ومالي وجنوب السودان وإثيوبيا وكولومبيا ،و دول أخرى.

 

السودان… ساحة صراع دولي على الثروة والجغرافيا

لا يمكن فهم الحرب بمعزل عن المصالح الدولية في السودان. فالسودان يمتلك موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، وثروات معدنية ضخمة أبرزها الذهب واليورانيوم، وأكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة، وموارد مائية استثنائية. كل ذلك جعله هدفًا لصراع إقليمي ودولي تتقاطع فيه أجندات متعددة، بعضها تسعى للسيطرة على الموارد، وأخرى لتشكيل خرائط نفوذ جديدة.في إطار مشروع الشرق الاوسط الكبير الجديد.

 

ازدواجية النرويج تجاه الحكومة السودانية

ترفع النرويج شعار ضرورة فتح ممرات آمنة للمساعدات، وتحذّر من أن عرقلة الإغاثة قد تشكل جريمة حرب. لكنها في الوقت نفسه لا تعترف بالحكومة السودانية الشرعية، وتتعامل معها باعتبارها “حكومة بورتسودان”.

المفارقة أن الوفود النرويجية تطلب التأشيرات من هذه الحكومة نفسها، وتُستقبل رسميًا وتُمنح لقاءات رفيعة المستوى، ومع ذلك ترفض الاعتراف بسلطتها. هذا التناقض يضع النرويج في موقف قريب من موقف المليشيا المتمردة، التي تسعى إلى فرض واقع سياسي جديد في دارفور شبيه بالنموذج الليبي المنقسم بين حكومتين.

 

الإنسانية الانتقائية ومفارقة الجنجويد في أوسلو

بينما تدعو النرويج إلى محاسبة مرتكبي الانتهاكات في السودان، فإن قادة الجنجويد الذين تورطوا في جرائم موثقة — آخرها مجازر الفاشر — لا يزالون يتحركون بحرية في أراضيها. ولم تتخذ النرويج حتى الآن خطوة تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، رغم أن تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تثبت تورطها في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

 

دعم غير متوازن لمنظمات مجتمع مدني حزبية

تقدم النرويج دعمًا واضحًا لمنظمات ترتبط بأحزاب سياسية بعينها تحت مظلة الإغاثة الإنسانية، بينما تُهمل منظمات أخرى تعمل دون أجندة سياسية. هذا التفضيل يعزز الانطباع بأن أوسلو تتماهى مع قوى حزبية تروّج لقراءة خاطئة للحرب باعتبارها نزاعًا داخليًا بين طرفين، بينما تتجاهل حقيقة العدوان الخارجي الذي غيّر موازين الصراع.

 

عملية سياسية منحازة

الدعوة النرويجية إلى عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية، تبدو من حيث المبدأ إيجابية، لكنها في جوهرها تعتمد على قوى سياسية فقدت شرعيتها الشعبية بعد ثورة ديسمبر. هذه القوى التي تحالفت مع المليشيا ومع الإمارات فشلت في قيادة الفترة الانتقالية، ولم تستطع تحقيق أهداف الثورة، وباتت اليوم جزءًا من المشكلة أكثر من كونها جزءًا من الحل.

 

مسؤولية دولية مشتركة… وفشل نرويجي واضح

لم يتمكن المجتمع الدولي — بما فيه النرويج — من حماية المدنيين في السودان، خاصة في مدينة الفاشر المحاصرة سابقًا. كما فشل في فرض تنفيذ قرار مجلس الأمن 2736 (2024) الخاص بفك الحصار، وقرار(2005 1591 (بشأن حظر توريد السلاح إلى دارفور. هذا الفشل يكشف خللًا عميقًا في منظومة الاستجابة الدولية، ويضع النرويج في خانة الدول التي لم تؤد دورها المطلوب.

 

ما الذي يجب أن تفعله النرويج الآن؟

لكي تستعيد النرويج دورها كوسيط محايد ودولة متوازنة، عليها أن:

1.تتعاون رسميًا مع الحكومة السودانية الشرعية لضمان حماية المدنيين ووصول المساعدات.

2.تصنف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية استنادًا إلى جرائمها الموثقة.

3.تدعم السودان في مكافحة الإرهاب الدولي وملاحقة شبكات المرتزقة والممولين.

4.تفتح تحقيقًا رسميًا حول أنشطة وقيادات الجنجويد داخل النرويج ومحاسبتهم وفق القانون.

5.تقف مع السلام الحقيقي القائم على وحدة السودان وسيادته، لا مع الرؤى الحزبية الضيقة أو المشاريع الخارجية.

 

المطلوب من النرويج ليس مجرد بيانات دبلوماسية أو تعبيرات قلق، بل موقف صريح يعترف بطبيعة الحرب كعدوان خارجي، ويضع أمن واستقرار السودان فوق الحسابات السياسية الضيقة. فدعم الدولة السودانية ومؤسساتها هو الطريق الوحيد لتحقيق السلام وإنهاء النزاع، وإنقاذ ما تبقى من الأرواح والمستقبل.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…