العلاقات السودانية ومعايير المصالح الدولية د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

رئيس تحرير مجلة السودان العلمية
تُعد حرب أبريل 2023 واحدة من أكثر النزاعات تعقيدًا في افريقيا، ليس فقط على المستوى الداخلي بل في السياق الإقليمي والدولي أيضًا. وقد شكّلت هذه الحرب اختبارًا صعبًا للسياسة الخارجية السودانية، فضلاً عن إعادة رسم أولويات العلاقات الدولية مع القوى الإقليمية والدول الكبرى، حيث تتصارع المصالح السياسية والاقتصادية والجيوستراتيجية في ظل أزمة إنسانية حادة.
أولاً: تعدد اللاعبين واعتبارات المصالح الدولية
تؤثّر هذه الحرب في السودان بشكل مباشر على العديد من الفاعلين الخارجيين، سواء من الدول المجاورة أو القوى الإقليمية والدولية. فدول الخليج، مثل الإمارات والسعودية، لعبت أدوارًا بارزة مدفوعةً بمصالح استراتيجية تشمل الأمن البحري، والاستثمارات، والتحالفات الإقليمية، والتحكم في مسار الصراع. وقد ارتبط هذا الدور بالسياسات الإقليمية الأوسع في الشرق الأوسط، حيث تُعتبر السودان ساحة تأثير جيوسياسي بين مختلف الفاعلين.
في المقابل، تسعى بعض الدول الكبرى إلى الحفاظ على مصالحها من خلال الدبلوماسية والضغط السياسي. ففيما تتدخل الولايات المتحدة وأوروبا عبر آليات الضغط ونداءات وقف إطلاق النار، ترتبط أهدافها الدولية بمنع تفاقم الأزمة الإنسانية ومنع امتدادها إلى دول الجوار، وكذلك الحفاظ على توازن القوى الإقليمي. تُظهر هذه الضغوط الدولية كيف تتحوّل المصالح الإنسانية والسياسية إلى أدوات ضمن إستراتيجيات أوسع لتحقيق الاستقرار أو النفوذ في منطقة حساسة.
ثانيًا: المصالح الإقليمية ودور دول الجوار
تلعب دول الجوار مثل مصر، وتشاد، وجنوب السودان دورًا مهمًا في العلاقات السودانية ضمن إطار المصالح الأمنية والاقتصادية. فمصر، على سبيل المثال، تبنت موقفًا داعمًا لوحدة السودان وسيادته، مع التركيز على تدفق اللاجئين، والأمن الإقليمي، وتأمين الموارد بما في ذلك الأمن الغذائي والحركة التجارية عبر الحدود. وتؤكد المواقف الرسمية المصرية على أهمية احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، وكذلك تنسيق الجهود لوقف إطلاق النار وتسهيل المساعدات الإنسانية.
كما يبرز في التوازن الإقليمي الدور الذي تلعبه دول مثل تشاد وجنوب السودان، اللتان تتأثران بشكل مباشر بتدفقات اللاجئين وتأمين الحدود والتنافس على الموارد المشتركة. هذه العلاقات تتداخل فيها المصالح الأمنية مع الاهتمامات الاقتصادية، مما يجعل أي حل للنزاع السوداني مرهونًا بتفاهمات إقليمية أوسع تشمل مصالح الجوار وتأثيرات النزاع على استقرار المنطقة.
ثالثًا: الضغوط الإنسانية والسياسات الدولية
في خضم الحرب، برزت القضية الإنسانية كعنصر رئيس في المعايير الدولية للمصالح. فقد تأخر وصول المساعدات الإنسانية، وتعرّضت البنى التحتية لأضرار بالغة، كما تراجعت حركة التجارة الحدودية مع دول الجوار بنسبة تصل إلى 90٪ في بعض المناطق، ما فاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وإن تسليط الضوء على الوضع الإنساني أصبح محورًا أساسيًا في خطاب المنظمات الدولية والدول الكبرى التي تسعى إلى دفع طرفي النزاع نحو هدنة سياسية مستدامة.
وتظهر مؤتمرات القوى السياسية والمدنية، وكذلك اللقاءات الدولية التي تسلط الضوء على الأزمة، مدى ارتباط الرؤية الدولية لمصالحها مع تحقيق استقرار اجتماعي وسياسي داخل السودان. وترى هذه التوجهات أن السلام الشامل لا يمكن تحقيقه إلا عبر معالجة العوامل الإنسانية، وتأمين سلامة المدنيين، وإشراك كل الفاعلين المحليين والدوليين في مسار سياسي شامل.
التوازن بين المصالح الوطنية والدولية:
اﻹستنتاج من ذلك أن العلاقات السودانية الراهنة مع المجتمع الدولي تتشكل في ظل صراع معقد تجمع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية والإنسانية. فمن جهة، تسعى القوى الدولية والإقليمية إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في منطقة حيوية، ومن جهة أخرى يبرز التحدي الأكبر في ضرورة تحقيق الاستقرار الداخلي الذي يحفظ سيادة السودان ويساهم في إنهاء الصراع. وفي هذا السياق، يُعد التوصل إلى موقف دولي موّحد يقوم على احترام سيادة السودان واحترام المصالح الإنسانية المشتركة من أساسيات أي مسار إلى سلام مستدام
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





