د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي يكتب الراحمون يرحمهم الرحمن

الحمد لله ربِّ العالمين، حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الرحمةِ المهداة، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فإنَّ الرحمة خُلُقٌ عظيم، وقيمةٌ إيمانية أصيلة، بها تحيا القلوب، وتتماسك المجتمعات، ويقوى البناء الاجتماعي، لا سيما في أوقات الشدائد والمحن. وقد جعل الإسلام التراحم علامةً على صدق الإيمان، وسِمةً بارزةً في سلوك المؤمنين الصادقين.
قال الله تعالى:
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17]،
فجمع بين الإيمان والتواصي بالرحمة، دلالةً على أن المجتمع الذي تسوده الرحمة هو مجتمع حيٌّ بإيمانه، قويٌّ بتماسكه.
وقد رسّخ النبي ﷺ هذا المعنى في نفوس المسلمين، فقال:
«الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (رواه أبو داود والترمذي).
فالرحمة ليست مجرد عاطفة، بل عبادة يُتقرب بها إلى الله، وسبب لنيل رحمته في الدنيا والآخرة.
وإذا نظرنا إلى واقع المجتمع السوداني، وجدنا أن التراحم والتكافل الاجتماعي يمثلان ركيزةً أساسية في ثقافته، خاصة في أزمنة الأزمات. فقد تجلت هذه القيم في صورٍ مشرقة، من إيواء النازحين، وتقاسم الطعام، وبذل الجهد والمال لتخفيف المعاناة، تطبيقًا عمليًا لقول النبي ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد» (متفق عليه).
ومن النماذج المضيئة التي تجسد هذه المعاني واقعًا حيًّا مخيم أزهري المبارك لنازحي الفاشر، الذي أصبح مثالًا واضحًا لروح الأخوّة الصادقة، ونبذ الجهوية والعصبية. ففي هذا المخيم اجتمع أناسٌ فرّقتهم الديار وجمعتهم المحنة، فتجاوزوا الانتماءات الضيقة، وتوحدوا على قيم الإنسانية والإيمان، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
لقد ذابت في هذا المخيم الفوارق الجهوية، وسقطت العصبيات، وحلّ محلها التعاون والتكافل، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]،
وتحقيقًا لقول النبي ﷺ:
«ليس منا من دعا إلى عصبية» (رواه أبو داود).
كما برزت في المجتمع السوداني مبادرات شبابية وإنسانية، كالمبادرات التي تُطعم الجوعى بوجبات بسيطة في مكوّنها عظيمة في أثرها، مثل “البليلة العدسية”، والتي تعكس روح الإيثار، وتجسّد قوله تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8].
إلى جانب الجهود المتواصلة للجمعيات الخيرية، وفي مقدمتها الهلال الأحمر السوداني، في إغاثة المتضررين وترسيخ قيم الرحمة والتكافل.
إن التراحم لا يخفف الألم فحسب، بل ينشر الأمل، ويبعث الطمأنينة في النفوس، ويؤكد أن قوة المجتمع لا تُقاس بوفرة موارده، بل بعمق رحمته وتلاحم أفراده. وفي زمن تتكاثر فيه الفتن والتحديات، تبقى الرحمة هي السياج الحامي للوحدة، والسبيل الأصدق لنزع جذور الفرقة والجهوية.
وفي الختام، فإن تعزيز قيمة التراحم واجب ديني ومسؤولية أخلاقية، تبدأ من الفرد، وتتسع لتشمل الأسرة والمجتمع والدولة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الرحماء، وأن يؤلف بين قلوب السودانيين، وأن يرفع عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين البلاء والشدائد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور
كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…





