بسم الله ابتدينا عادل عسوم

ليسمح لي أولاد حاج الماحي استعارة ابتدار مدحتهم الفخيمة هذه لانسج نولي هذا سياحة في عوالم البسملة الرحيبة وارتقاء في فضاءاتها السامقة…
فكم أجد نفسي وقّافا بين يدي تلقائية التلفظ بهذه البسملة في تراثنا الخطابي والحواري الفطري وكل حراكنا الحياتي يا أحباب…
ما من دهشة تنتاب أحدنا أو مفاجأة تعتريه إلا وتجده يقول أو يقال له:
قول بسم الله…
هي، قول بالله!
أترى ذلك مصادفة؟!
لا والله، انها المحبة الإلهية لعباده بأن تقرّ هذه البسملة المباركة في أنفسهم ووجدانهم…
انها الاستفتاح الذي جعله ربنا لكل شئ، وخص بها أمة الإسلام من بعد سليمان عليه السلام، وجعلت في ابتدار كل سورة في كتاب الله -إلا سورة واحدة- لتدل على ذات الله تعالى وصفاته، وأمرنا كمسلمين بأن نبتدر بها كل حراكنا قولا وفعلا وهي مفتاح كل خير…
(بسم الله)
-بإسم من؟!
-بإسم (الله)…
إنه لفظ أحرفه جوفية يسيرة التلفظ حتى للطفل الذي لم يبتدر النطق!
(الله)، الإسم الجامع في جوفه كل أسماء ربنا الحسنى وصفاته العلى، ولعلي أقول بأن حاله مع بقية أسماء الله كحال اللون الأبيض الذي يحوي في جوفه كل الألوان!!!
إنه الإسم الذي يسميه العلماء علم الأعلام، إذ من خصائصه:
أنّه علم اختصّ به تعالى، وحتى أعتى الجبابرة لم يتسم به!
ومن خصائصه:
تُضاف إليه بقية أسماء الله جل جلاله ولا يُضاف إليها، فيقال: الرّحمن الرّحيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرّحمن الرّحيم!، :{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)} الحشر.
ومن خصائصه:
أنّه لا يصحّ إسلام أحد من النّاس إلاّ بالنّطق به، فلو قال: لا إله إلاّ الرّحمن، لم يصحّ إسلامه عند جماهير العلماء!.
ومن خصائصه:
لا تنعقد صلاة مسلم إلاّ بالتلفّظ به، فلو قال: الرّحمن أكبر لم تنعقد صلاته!.
أتاح الله لعباده هذا الاسم الجليل وجعل ألسنة عباده تلهج به وبالبسملة -دوما- لطفا ورحمة بهم إلا الذي يأبى، وبالفعل هناك من يأبى من أصحاب المناهج الرافضة لهدى الله ودينه من اليسار وأذيالهم ممن أشربت قلوبهم بعجول التياسر الفكري، فتجد ألسنتهم تأبى التلفظ بالبسملة لشيء يعلمه الله فيهم!.
تابعوا لقاءاتهم التلفزيونية، واستمعوا لكلماتهم في المجامع لتتبينوا نأيهم عن ذكر الله والبسملة في ابدارتهم واستفتاحاتهم!
وكلما عرض لي شئ من ذلك تحضرني هذه الآية من سورة آل عمران!:
{….إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 176 آل عمران.
لو كان فيهم خير لما ألجمت ألسنتهم عن ذكر الله والبسملة، والله رحيم بعباده.
ورد في السنة الشريفة أنه قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا بامرأة من السبي قد وجدت صبيا في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟
قال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم:
لا والله
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ان الله أرحم بعباده من هذه بولدها.
رواه البخاري ومسلم.
لعمري إن الذين لم تدركهم هذه الرحمة لقوم مغضوب عليهم، وإنهم مستدرجون في هذه الدنيا، ثم إنهم ممن لن يجعل الله لهم حظا في الآخرة كما قال الله…
ولاينفك صوت جدي محمد الحسن حاجنور رحمه الله يتردد في أذني قائلا ووجهه متهلل بابتسامة:
أما من استدرك على الجني الذي قال لسليمان عليه السلام -في شأن عرش بلقيس -(أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) فقد قال:
انا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك!
قال جدي رحمه الله:
هذا الرجل أبان لسليمان عليه السلام بأنه يعلم من الكتاب اسم الإله الأعظم الذي إن دعاه به أجاب، لكنه يود أن يكون سليمان من يدعو به لكونه نبي، وإنه -أي الرجل- ليس بأقرب إلى الله من سليمان النبي،
لكن سليمان عليه السلام أقره وأمره بأن يدعو الإله بالإسم الأعظم الذي كشفه له ربنا جل في علاه ليأتي بعرش بلقيس قبل ارتداد طرفه عليه السلام…
ما كان مني إلا أن سالت جدي:
وماهو اسم الله الأعظم؟!
فقال:
اسم الله الأعظم هو لفظة (الله).
ثم اضاف:
ألا تجد العديد من أهل التصوف يرجزون دوما بلفظة الله (ولكن للأسف جلّهم لا يعلمون خبايا هذا الاسم وماينبغي أن تحتشد في النفس من معان عندما يقول المسلم (الله)!…
ياااااه
الحق أقول انني لم اتبين عمق المعنى ومرادات جدي حينها!…
ثم إن جدي قال:
اسم الله الأعظم هو لفظة (الله)، إنها الأصل الحاوي والشامل لكل أسماء الله، تماما كما تبين لي من بعد عندما درست الفيزياء وعرفت بأن الضوء الأبيض يعتبر أصل الألوان والمشتمل في جوفه بقية الألوان.
وقال جدي رحمه الله:
وتبقى سورة الإخلاص وآية الكرسي المحققتان لتمام اسم ربنا الأعظم، وذاك ما كان يعلمه يقينا ذاك الجالس بين يدي نبي الله سليمان، فقد آتاه الله علم من (الكتاب الأزلي) الذي أنزل الله منه كتاب القرآن، وعليه انظروا ماذا كان استفتاح خطاب نبي الله سليمان عليه السلام إلى بلقيس؟
{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} النمل 30
ياااااه
انها البسملة يا أحباب!!!
ويتواصل حديث جدي رحمه الله عن اسم الله الأعظم فشرع يتلو:
{لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الحشر21
ثم تلى:
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} 22
وأردف:
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 23
وواصل يتلو:
{هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 24
ثم صمت للحظات وقال:
هنا يتبين جليا أن لفظة (الله) هي الأصل، وهو الإسم الأعظم لرب الأرباب…
بذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (اسم الله الأعظم هو الله)؛ رواه ابن مردويه كما في كتاب الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج1، ص23.
وعن التابعي الجليل جابر بن زيد رحمه الله قال: (إن اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الحشر 22 – 24؟ ألا ترى أنه في جميع القرآن يُبدأ به قبل كل اسم؟! رواه ابن جرير الطبري في “تفسيره” ج22، ص555.
وبذلك قال ابن أبي حاتم في تفسيره ج1، ص25 و ج2، ص585.
وعن التابعي الجليل الشعبي قال: (اسم الله الأعظم هو الله) رواه عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه النقض ج1، ص168.
وقال فخر الدين الرازي: (الاسم الأعظم هو قولنا: «الله»، وهذا هو الأقرب عندي) التفسير الكبير ج1، ص111.
وقال الأشموني: (الله علم على الذات الواجب الوجود -أي: لذاته-، المستحق لجميع المحامد، ولم يسم به سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ مريم 65 أي: هل تعلم أحدا تسمى الله غير الله، وهو اسم عربي عند الأكثر، وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، شرح الأشمونى لألفية ابن مالك ج1، ص17.
وقال السفاريني: (عند أكثر أهل العلم أنه لفظ الجلالة، وعدم الإجابة لأكثر الناس مع الدعاء به لتخلف بعض الشروط التي من أهمها: الإخلاص، وأكل الحلال) لوامع الأنوار البهية ج1، ص35.
وقال ابن عبد الحق العمري: (قال البندنيجي: وأكثر أهل العلم على أن الاسم الأعظم هو: الله) درر الفرائد المستحسنة ج1، ص141.
وقال الشيخ محمد علي الدرة: (الله: هو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة، التي أعظمها: أكل الحلال) فتح الكبير المتعال ج2، ص311.
وقال الشيخ عمر الأشقر: (الذي يظهر من المقارنة بين النصوص التي ورد فيها اسم الله الأعظم أنه: (الله)، فهذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي يوجد في جميع النصوص التي قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن اسم الله الأعظم ورد فيها) العقيدة في الله ص: 213.
وللفائدة أضيف الآتي:
هناك آية عظيمة وهي الآية 80 من سورة الإسراء التي أوحى بها الله إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف يكتنفه من الحزن مايقصم ظهر امة بحالها، أسند ظهره الشريف إلى الحائط ورفع كفيه الشريفتين ونظر الى السماء وقال:
(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس
يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أُبالى
ولكن عافيتك هي أوسع لي
أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليَّ سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك)…
ثم شرع صلى الله عليه وسلم يتلو سورة الرحمن، وإذا بالجن يحتشدون بين يديه يصيخون السمع الى كلمات سورة الرحمن من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلمون.
وإذا بجبريل عليه السلام يأتيه تاليا:
{وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا} 80 الإسراء.
قال لي جدي رحمه الله:
هذه الآية الكريمة فيها من الأسرار العظيمة والبهية والعجيبة ما الله به عليم، وكان رحمه الله يسميها ب(مفتاح المغاليق)!
قال رحمه الله:
ومافتيء لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريف رطبا بهذه الآية. الكريمة خلال كل مواطن الشدة والبأس في ثنايا سيرته الوضيئة:
1- عند دخوله إلى مكة بعيد عودته من الطائف…
2- عند خروجه منها بين يدي هجرته الشريفة…
3- عند دخوله إلى المدينة المنورة مهاجرا اليها من مكة…
4- عند خروجه وصحابته الكرام من حصارات عديدة كمحنة الخندق وأخرى كصلح الحديبية…
5- عند دخوله إلى مكة فاتحا…
وغير ذلك كثير…
نصحني جدي بتلاوة هذه الآية العظيمة بين يدي أيما عزم ل(دخول) أو(خروج) مكاني، أو عزم للولوج أو الخلاص من أمر يحتاج إلى (قرار حياتي) استصحابا لصدرها المبين، ثم ختامها الذي يقول (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا)، واشترط جدي رحمه إلله شرطا حيث قال:
ينبغي أن يستصحب من يقرأ هذه الآية لفظ الجلالة (الله) عندما يتلوها ويقول (قل رب أدخلني)، يتوقف قليلا بعد قوله (رب)، ويسر في نفسه قائلا (يا الله) يا أحد ياصمد، يامن لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك كفؤا أحد ثم يكمل الآية، ويقرأ آيه الكرسي دبر ذلك ليستوفي الأمر.
آمنت بالله.
adilassoom@gmail.com
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





