شيء للوطن م.صلاح غريبة ما وراء الشعارات: صناعة السلام والتنازلات المتبادلة

Ghariba2013@gmail.com
لا يُقاس استقرار الدول بضجيج الاحتفالات أو ببراعة الصياغة في الخطابات الحماسية، بل يُقاس بمدى قدرة نسيجها المجتمعي على الصمود أمام العواصف، وبمدى استعداد مكوناتها لتقديم “التنازلات الشجاعة” من أجل البقاء المشترك. إن السلم الاجتماعي اليوم ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل هو ضرورة وجودية تتطلب انتقالاً جذرياً من “عقيدة التشدد” إلى “ثقافة المسؤولية الجماعية”.
لقد استهلكت الأنشطة الشكلية والندوات البروتوكولية الكثير من الوقت والجهد، لكن الواقع يثبت أن بناء السلام المستدام يبدأ حيث تنتهي الشعارات. إن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل “السلم” من مفهوم نخبوي يدور في أروقة المؤتمرات إلى سلوك يومي يمارسه المواطن في الشارع، والقيادي في قراراته. هذا التحول يتطلب من المؤسسات المعنية أن تقف على “مسافة متساوية” من الجميع، بحيث يكون انحيازها الوحيد للثوابت الوطنية ومشروعات النهضة الشاملة، بعيداً عن الاستقطاب أو المحاصصة.
إن مفهوم “التنازل” في سياق السلم الاجتماعي ليس ضعفاً، بل هو أسمى درجات القيادة والوعي. فالمجتمعات التي تعافت من أزماتها هي تلك التي أدركت أن الفوز الكلي لطرف واحد هو خسارة مطلقة للوطن. لذا، فإن الدور المنوط بالقيادات المجتمعية اليوم هو التأسيس لمرحلة “التعافي النفسي”، وتهيئة البيئة لعودة الروح إلى جسد الأمة، وهو ما لن يتحقق إلا بضمانات حقيقية تجعل كل فرد يشعر بأنه شريك في هذا الوطن، وليس مجرد تابع.
لا يمكن الحديث عن استقرار مستدام بمعزل عن طاقة الشباب. فهم ليسوا فقط الفئة الأكثر تضرراً من النزاعات، بل هم القوة القادرة على كسر حلقة الكراهية التاريخية. إن الرهان على تدريب الشباب وتمليكهم مهارات القيادة والتعايش هو استثمار في “صمام أمان” الدولة. وحينما يبدأ هؤلاء الشباب في نقل رسائل الطمأنينة وإدارة التنوع الثقافي كعنصر ثراء لا بؤرة للصراع، نكون قد وضعنا أول حجر في بناء الدولة المتمدنة.
تظل العاصمة دائماً هي المرآة التي تعكس حال البلاد. وإن ظهور مؤشرات التعافي في الخرطوم، والترتيب للفعاليات التي تحتفي بالتنوع الثقافي، هي رسائل رمزية قوية للداخل والخارج على حد سواء. إن العودة الطوعية ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي استعادة الثقة في “البيت الكبير”. فالنهضة الاقتصادية والتكنولوجية التي ننشدها تظل أحلاماً معلقة ما لم تستند إلى قاعدة صلبة من الاستقرار المجتمعي.
إن صناعة السلم الاجتماعي هي عملية “تخليد للتعايش” تتطلب شجاعة في الطرح، وعدالة في التنفيذ، وصدقاً في الرسائل الموجهة للسودانيين في كافة بقاع الأرض. الطريق إلى دولة آمنة ومطمئنة يمر عبر بوابة واحدة: الإيمان بأن الوطن يتسع للجميع، وأن كلفة التنازل من أجل السلام تظل دائماً أقل بكثير من كلفة الصراع.
تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور
كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…





