‫الرئيسية‬ مقالات أجيال النيل زلزال الحرب: حين تهدم البيوت لتبنى الحقيقة  د. سهام موسى متخصصة في علم النفس وباحثة
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

أجيال النيل زلزال الحرب: حين تهدم البيوت لتبنى الحقيقة  د. سهام موسى متخصصة في علم النفس وباحثة

أجيال النيل     زلزال الحرب: حين تهدم البيوت لتبنى الحقيقة   د. سهام موسى  متخصصة في علم النفس وباحثة

من قلب القاهرة، حيث ألقت بنا رياح الحرب في السودان بعيداً عن ديارنا، أكتب إليكم لا كشاهدة عيان على دمار الحجر فحسب، بل كباحثة في أغوار النفس البشرية التي أعادت الحرب صياغتها. إن الحرب ليست مجرد صراع عسكري أو أزمة سياسية؛ إنها في جوهرها النفسي “مختبر إنساني عنيف” يختبر المتانة الأخلاقية والصلابة النفسية للمجتمعات.

لطالما عشنا في السودان تحت مظلة “رومانسية العلاقات” والاعتقاد الراسخ بأن “الدم لا يصير ماءً”. لكن الحرب، بتجربتها القاسية، نسفت هذه الصور المثالية. لقد سحبت من تحت أقدامنا “براءة الظنون” حول مفاهيم القرب والواجب والأخوة.

في علم النفس، تسمى هذه الحالة “التحطم المعرفي”؛ حيث تنهار المعتقدات الأساسية التي كان الفرد يبني عليها أمانه النفسي. اكتشفنا أن بعض المودة لم تكن سوى “عادة” اجتماعية فرضها الجوار أو ظروف الرخاء، وليست قيماً أصيلة متجذرة. الحرب فرزت الناس بوضوح جارح: من الذي يقترب ليعاون دون نداء؟ ومن الذي يبتعد عمداً لأنه لا يطيق تحمل عبء الالتزام؟

يقول البعض إن الحرب خربت علاقات الأسر، ولكن من منظور نفسي أعمق، أقول: الحرب لم تخرب، بل جلت الحقيقة. لقد أزاحت “الغشاوة” عن العيون. إن إدراك أن بعض الروابط كانت هشة هو بحد ذاته خطوة نحو النضج.

نحن الآن ننتقل إلى مرحلة “الواقعية في العلاقات”، حيث تصبح التوقعات من الآخرين أكثر تحفظاً ومنطقية. هذا الترتيب الجديد للعلاقات هو عملية “جرد اجتماعي” ضرورية؛ لنضع كل شخص في مكانه الصحيح والعادل، بعيداً عن المبالغات العاطفية التي كانت ترهق كاهلنا قبل الأزمة.

إن الألم الذي نعيشه اليوم ليس مجرد وجع عابر، بل هو “المادة الخام” لإعادة تشكيل هويتنا الجماعية. في علم النفس الإيجابي، نتحدث عن “النمو ما بعد الصدمة” (Post-Traumatic Growth). هذا النمو لا يحدث رغم الألم، بل بسبب الألم.

لقد كشفت الحرب نقاط ضعفنا وقوتنا كأفراد ومجتمع في التكافل. وكما يُرص طوب البيوت المهدمة لتُبنى من جديد، تحتاج قيمنا الاجتماعية إلى “إعادة رص” وترتيب. نحن بحاجة إلى بناء مدننا النفسية والاجتماعية على أساس الصدق والوضوح، لا على الأوهام والصور المغبشة.

كباحثة ومؤمنة، أرى أن الله لا يسمح باختبار جماعي بهذا الحجم بلا حكمة كبرى. إن معرفة الحقيقة، مهما كانت مريرة، تجعل مستقبلنا أصلب وأكثر صدقاً. لقد خسرنا البيوت والأماكن، لكننا كسبنا “الوعي”؛ وهو أثمن ما يمكن للإنسان أن يخرج به من حطام الكوارث.

ختاماً نحن اليوم لا نبكي على ما ضاع، بل نحمد الله على ما كُشف، وعلى ما حُفظ، وعلى ما ينتظر منا إصلاحاً بأيدينا. لقد كانت الحرب “الفرزة” التي جعلتنا نرى من يستحق أن يكون في الصفوف الأولى من حياتنا، ومن يجب أن يبقى على الهامش.

الحمد لله على اليقين الذي يجعلنا نرى في هدم القديم فرصة لبناء جديد، يكون فيه الإنسان أصدق مع نفسه ومع الآخرين.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…