‫الرئيسية‬ مقالات المقترح السعودي الأمريكي شهادة وفاة للرباعية الركابي حسن يعقوب
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

المقترح السعودي الأمريكي شهادة وفاة للرباعية الركابي حسن يعقوب

المقترح السعودي الأمريكي شهادة وفاة للرباعية  الركابي حسن يعقوب

خلال الإحاطة النصف سنوية للمحكمة الجنائية الدولية أمام مجلس الأمن الدولي أمس الإثنين بشأن عمل المحكمة بالسودان، قال نائب المندوب الأمريكي بالأمم المتحدة في خطابه أمام مجلس الأمن أن بلاده (خلصت إلى أن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ترتكب إبادة جماعية وأن الولايات المتحدة ملتزمة بإنهاء الصراع في السودان بقيادة الرئيس ترامب).

 

هذا ما قاله نائب المندوب الأمريكي بالنص، وهو يعتبر تطوراََ مهماََ إذا ما نظر إليه في سياق الوضع الراهن الذي شكلته التطورات الإقليمية بمنطقة ومحيط البحر الأحمر من لدن إعلان إسرائيل اعترافها بما يسمى بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة ذات سيادة وما ترتب على ذلك من رفض واسع النطاق للخطوة الإسرائيلية اقليمياََ ودولياََ ، مروراََ بإلغاء الحكومة الصومالية لكافة الاتفاقيات المبرمة مع الأمارات معتبرة أنها تقوض سيادة الصومال ووحدتها واستقلالها، وانتهاءاََ بالتطورات الدراماتيكية في اليمن والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وقلبت موازين القوة و التحالفات بالمنطقة رأساََ على عقب وفرضت واقعاََ جديداََ مغايراََ لما كان سائداََ من قبل.

 

وفي رأيي أن ما قاله نائب المندوب الأمريكي في جلسة الإحاطة الخاصة بالمحكمة الجنائية بمجلس الأمن أمس هو أول ملامح هذا الواقع الجديد، وأولى خطوات التعاطي الأمريكي الجديد مع قضية الحرب في السودان.

 

صحيح أن الإدارة الأمريكية كانت قد وصفت في يناير من العام الماضي ما تقوم به ميليشيا الدعم السريع الإرهابية بأنه إبادة جماعية دون أن تتلو ذلك بخطوات عملية فاعلة تجاه الميليشيا وداعميها، لكن يبدو أن الأمر سيكون مختلفاََ هذه المرة في ضوء الزلزال الإقليمي الذي وقع نهاية العام الماضي وكان مركزه اليمن.

 

اشتعال الأوضاع بمنطقة البحر الأحمر والخليج العربي ليس في صالح أمريكا، التي تعتبرها جزءاً حيوياََ بموضع القلب مما تسميه بمنطقة الشرق الأوسط الكبير الذي يتوسع بحسب الرؤية الأمريكية ليشمل دولاََ أخرى في آسيا الوسطى وشمال أفريقيا وإيران وتركيا وإسرائيل بالطبع.

 

لذلك ستنشط إدارة ترامب رغم انشغالها بقضايا محيطها الإقليمي في الكاريبي وعلاقاتها المتوترة مع أوروبا بخصوص الرسوم الجمركية العقابية التي فرضتها على الواردات الأوروبية بسبب أزمة جزيرة غرينلاند، رغم ذلك فإن الإدارة الأمريكية ستعمل بجدية أكثر من ذي قبل على تحقيق تسوية تعيد الهدوء إلى هذه المنطقة الحيوية بالنسبة لها بما يحفظ لها مصالحها ومصالح حلفائها الاقليميين.

 

ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون إخماد نيران الحرب في السودان، فالمعادلة تقول أن إطفاء الحريق بالمنطقة يبدأ بإطفاء نيران حرب السودان التي أشعلتها حليفتها الأمارات وأرادت بها السيطرة – بالتزامن مع مخططها في اليمن – على ساحل البحر الأحمر الممتد في السودان لأكثر من 700 كيلو متر ، ومن ثم إحكام السيطرة على منطقة البحر الأحمر وشواطئه من مضيق باب المندب جنوباََ حتى خليج السويس شمالاََ وهي ممر بحري حيوي للطرق التجارية العالمية فضلاََ عن أهميتها الجيوستراتيجية والأمنية.

 

ورغم أن هذا الهدف الإماراتي لا يبعد كثيراََ عن أهداف أمريكا وحليفتها الأولى بالمنطقة وهي إسرائيل إلا أن النهج والطريقة التي تتبعها الأمارات لتحقيق هذا الهدف فجة وبعيدة كل البعد عن المنهج الذكي والصحيح لإدارة المصالح وتحقيق الأهداف في مسرح السياسة الدولية، وهي طريقة أشبه بالسير في حقل ألغام بدون خرائط وهو عين ما حدث فقد تفجر عليها لغم السودان حيث باء مخططها بالفشل الذريع وتفجر عليها لغم (صوماليلاند) وميناء بربرة الذي تديره عبر شركة موانيء دبي العالمية، وتفجر لغم الصومال التي ألغت كل اتفاقياتها المبرمة معها، وتفجر عليها لغم اليمن بخروجها منه وإنهاء وجودها العسكري فيه تحت ضغط سعودي مباشر.

 

لكل ذلك فإن الإدارة الأمريكية ستعيد ترتيب الأوضاع بما يوقف هذا السير العشوائي بالتنسيق المباشر مع السعودية التي تشهد علاقاتها بالسودان إزدهاراََ مضطرداََ وهو ما يعني إخراج الأمارات ومعها الميليشيا الإرهابية من المعادلة وبالتالي موت (الآلية الرباعية) التي كان قوامها التمكين للميليشيا ولمشروعها السياسي ونيل ما عجزت عن تحقيقه بالبندقية بتسوية مجحفة تساوي بينها وبين الدولة.

 

ولعل المقترح السعودي الأمريكي الذي تقدمت به الدولتان للسودان وتسلّمه الرئيس البرهان مطلع الأسبوع الحالي يعتبر شهادة وفاة للرباعية بغض النظر عما يحتويه المقترح الذي لم يرشح منه الكثير سوى ملامح من خارطة طريق تتضمن هدنة إنسانية يعقبها ما سماه المقترح بـ (الأعمال العدائية) وصولاً لوقف إطلاق نار نهائي وشامل، والمقترح لدى الحكومة قيد الدراسة والنقاش والمشاورات الآن تمهيداََ لبلورة رد رسمي عليه.

 

ويبقى من المهم بالنسبة للشعب السوداني أن تكون الأجندة الإماراتية التي كانت مضمنة في سيئة الذكر الرباعية قد تم استبعادها من المقترح السعودي الأمريكي الجديد وهو أمر غاية في الأهمية وهو أمر مرجح حدوثه بالنظر إلى الموقف السعودي الواضح والداعم لوحدة وسيادة السودان ودعم الشرعية فيه وعزز هذا الموقف التطورات الأخيرة في اليمن والموقف السعودي المناهض للأجندة الإماراتية فيه.

 

وأياََ ما كان الأمر فإن الظرف الإقليمي الراهن مواتٍ بالنسبة للسودان لتتويج انتصاراته العسكرية والسياسية والأمنية والدبلوماسية بانتصار أخير يستعيد به مكانته الحقيقية ليس فقط على المستوى الإقليمي بل على المستوى الدولي أيضاً.

 

أمام القادة العسكريين والسياسيين الآن مهمة هي صعبة وسهلة في ذات الوقت، ستكون مهمة سهلة إذا ما وضعوا نصب أعينهم تحقيق رغبة الشعب السوداني الرافض لعودة الميليشيا الإرهابية وجناحها السياسي للحياة السياسية في السودان مرة أخرى، وستكون مهمة صعبة إذا ما ضربوا بهذه الرغبة الشعبية عرض الحائط وساوموا عليها بأنصاف حلول تصادر كل تلك التضحيات الجسام التي قدمها الشعب السوداني في سبيل عزته وكرامته.

 

وللقادة العسكريين والسياسيين نقول إنتبهوا إلى حقيقة أن التاريخ يرصد مواقفكم ويؤرخ لكل خطوة تخطونها وأن قلمه يكتب ويسجل وأن مستقبل الدولة السودانية وشعبها الآن في المحك ورهين اختياركم فأحْسِنوا الإختيار ولا توردوا بلادنا مهاوي الضياع وظننا فيكم خيراً.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…