‫الرئيسية‬ مقالات نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:تحالفٌ يتهاوى أم مساومةٌ بلا نهاية؟
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:تحالفٌ يتهاوى أم مساومةٌ بلا نهاية؟

نقطةإرتكاز   د.جادالله فضل المولي   يكتب:تحالفٌ يتهاوى أم مساومةٌ بلا نهاية؟

لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا مجرد صفحةٍ من صفحات التاريخ السياسي الحديث، بل تحوّلت إلى مشهدٍ متشابكٍ ومعقّدٍ يعبّر عن انهيار تدريجي في بنية التحالفات التقليدية وصعود منطق المساومة القاسية. ذلك التحالف الذي وُصف يوماً بأنه “صلبٌ كالفولاذ” لم يعد سوى صورةٍ باهتةٍ تُستحضر في الخطابات الرسمية، بينما الواقع يكشف عن تصدّعٍ عميقٍ في الثقة، وتناقضٍ صارخٍ في المصالح، وابتزازٍ متبادلٍ يضع أوروبا في موقعٍ هشّ أمام ضغوط واشنطن.

 

منذ الحرب الباردة، كان التحالف الأطلسي يُقدَّم باعتباره الضمانة الكبرى للأمن العالمي، حيث تتكامل القوة العسكرية الأمريكية مع الثقل الاقتصادي والسياسي الأوروبي. لكن مع تغيّر موازين القوى العالمية، وصعود قوى جديدة مثل الصين وروسيا، وتحوّل الطاقة إلى سلاحٍ سياسي، باتت واشنطن تنظر إلى أوروبا كأداةٍ لتنفيذ استراتيجياتها أكثر من كونها شريكًا متكافئًا. أوروبا من جانبها، رغم محاولاتها التمسك بقدرٍ من الاستقلالية، تجد نفسها محاصرةً بين حاجتها للحماية العسكرية الأمريكية وبين رغبتها في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع الشرق، خصوصاً في ظل اعتمادها الكبير على مصادر الطاقة الخارجية.

 

في ملف الطاقة، تضغط الولايات المتحدة على أوروبا لتقليص اعتمادها على الغاز الروسي، بينما تعرض بدائلها بأسعارٍ مرتفعة، لتتحوّل العلاقة إلى معادلةٍ تجارية بحتةٍ تُدار بمنطق الربح والخسارة. وفي ملف الدفاع، تُطالب واشنطن الأوروبيين بزيادة الإنفاق العسكري، وكأنها تُذكّرهم بأن مظلتها الأمنية ليست مجانية، وأن الحماية لها ثمنٌ يجب دفعه. أما في التجارة، فالمساومات لا تنتهي: ضرائب ورسوم واتفاقيات تُصاغ لتخدم مصالح طرفٍ واحد أكثر من الآخر، لتصبح أوروبا في كثيرٍ من الأحيان الطرف الأضعف في معادلةٍ غير متكافئة.

 

هذا التحوّل من التحالف إلى المساومة ليس مجرد خلافٍ عابر، بل هو مؤشرٌ على انهيار النموذج القديم للعلاقات الدولية. فالعالم لم يعد يُدار بشعارات “الوحدة عبر الأطلسي”، بل بلغةٍ أكثر خشونة: لغة القوة، المال، والابتزاز السياسي. أوروبا اليوم أمام اختبارٍ وجودي: إمّا أن تظل رهينة مساومات واشنطن، أو أن تجرؤ على صياغة مسارٍ مستقل مهما كان الثمن.

 

إنها لحظةٌ فارقة، لحظةٌ يُسقط فيها القناع عن التحالفات القديمة ليظهر وجهٌ جديد للعلاقات الدولية، وجهٌ لا يعرف سوى المساومة، ولا يعترف إلا بمنطق القوة. وفي هذا السياق، تبدو أوروبا وكأنها تقف على مفترق طرقٍ تاريخي: إمّا أن تستمر في لعب دور التابع، أو أن تُعيد صياغة هويتها السياسية والاقتصادية لتصبح قوةً مستقلةً قادرةً على مواجهة التحديات العالمية.

 

لكن السؤال الأعمق يبقى: هل تمتلك أوروبا الإرادة والقدرة على التحرر من قبضة واشنطن؟ أم أن مصالحها المتشابكة ستبقيها أسيرة مساوماتٍ لا تنتهي؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل العلاقة عبر الأطلسي، بل أيضاً شكل النظام الدولي في العقود القادمة.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور

كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…