د.بشارة حامد جبارة يكتب الأمن أولًا… نداء عاجل إلى وزير الداخلية والقوات النظامية لحماية الخرطوم والمدن الآمنة

في وقتٍ تتطلع فيه الأنفس إلى الاستقرار بعد طول معاناة، وتبحث فيه الأسر عن بصيص طمأنينة في ليل السودان المثقل بالجراح، تفاجئنا الوقائع اليومية بواقعٍ أمنيٍّ مقلق، لا يهدد الممتلكات فحسب، بل يهدد الأرواح والكرامة والسكينة داخل البيوت.
لقد أصبحت العصابات المسلحة تطرق الأبواب ليلًا، تروّع الآمنين، وتهدد الأسر، وتنهب ما تستطيع نهبه، في مشهدٍ لا يليق بعاصمة دولة، ولا بمدن يفترض أنها تحت سيطرة القوات المسلحة وتتمتع بالحماية والنظام. إن استمرار هذا الوضع يفتح الباب للفوضى، ويقوّض الثقة بين المواطن والدولة، ويغتال الإحساس بالأمان الذي هو أبسط حقوق الإنسان.
حادثة عطبرة… جرس إنذار خطير
حادثة اختفاء الطالبة مسك اليمن أحمد عمر بمدينة عطبرة، وهي في طريقها إلى مدرستها، ليست مجرد واقعة أسرية موجعة، بل هي قضية رأي عام، ومؤشر خطير على وجود خلل أمني يستوجب الوقوف عنده بجدية ومسؤولية.
اختفاء فتاة قاصر في وضح النهار، داخل مدينة مأهولة، ومعروف خط سيرها، ثم يمر الوقت دون نتائج واضحة أو تفاعل رسمي يُطمئن أهلها والرأي العام… كل ذلك يطرح أسئلة موجعة:
أين الرقابة؟ أين المتابعة؟ أين الإحساس بثقل المسؤولية؟
إن صمت الجهات المعنية، أو ضعف التفاعل مع هذه القضية، لا يزيد الأسرة إلا ألمًا، ولا يزيد المجتمع إلا قلقًا، ولا يزيد الثقة في المؤسسات إلا اهتزازًا.
رسالة إلى وزير الداخلية
يا وزير الداخلية…
الأمن ليس ترفًا، بل هو أساس الدولة.
والأمن لا يتحقق بالبيانات، بل بالإجراءات الصارمة، والحضور الميداني، والرقابة الذكية، والحزم مع كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن المواطنين.
ومن هنا نرفع جملة مطالب واضحة وصريحة:
تفعيل الانتشار الأمني الحقيقي في الأحياء والأسواق، لا الشكلي.
تشديد الرقابة الليلية وتكثيف الدوريات الراجلة والمتحركة.
إلزام تركيب كاميرات المراقبة في:
كل المحال التجارية
المستشفيات
الصيدليات
المدارس الخاصة
المؤسسات العامة
المراكز الخدمية
الأسواق الكبرى
بل ينبغي أن يصبح تركيب الكاميرات شرطًا أساسيًا لاستخراج أي ترخيص لأي نشاط تجاري أو خدمي.
إنشاء غرفة تحكم مركزية تربط كاميرات المدن الكبرى لتسهيل التتبع السريع للجرائم.
التعامل بصرامة مع العصابات: لا تساهل، لا مجاملة، لا تهاون عندما يتعلق الأمر بأمن الناس.
الأمن مسؤولية وطنية
الأمن ليس مسؤولية وزارة الداخلية وحدها، بل هو مسؤولية الدولة كلها، ومهمة وطنية تشترك فيها الأجهزة النظامية والإدارة المحلية وقيادات المجتمع. لكن تبقى المسؤولية الكبرى على عاتق من بيده القرار والسلطة والتنفيذ.
إن المواطن السوداني قد صبر كثيرًا على الحرب، وعلى النزوح، وعلى فقدان الأحبة، وعلى ضيق المعيشة… فلا يجوز بعد كل ذلك أن يُحرم حتى من الأمان داخل بيته.
كلمة أخيرة
نحن لا نكتب هذا المقال من باب المعارضة ولا المزايدة، بل من باب الغيرة على الوطن، والخوف على المجتمع، والحرص على ما تبقى من استقرار.
نكتب لأن صرخة أم مسك اليمن هي صرخة كل أم.
ولأن خوف كل أسرة في الخرطوم وعطبرة وبورتسودان ومدني وشندي هو خوف مشروع.
ولأن الدولة التي لا تحمي أبناءها، تفقد جوهر وجودها.
اللهم اشهد أننا بلّغنا.
والله من وراء القصد.
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





