مضمار_الحقائق فوضى التدخين في الأماكن العامة والحيوية د. موسى آدم عثمان الفولاني

تُعدّ ظاهرة انتشار التدخين في الأماكن العامة والحيوية من مظاهر الفوضى في المجتمعات التي لا تحترم حقوق الإنسان أو خصوصياته أو كرامته أو إنانسيته، وتعتبر من أبرز التحديات الصحية والسلوكية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما تحمله من أبعاد صحية خطيرة تتجاوز المدخن ذاته لتطال غير المدخنين عبر ما يُعرف بالتدخين السلبي. وقد تفاقمت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة في ظل فوضى عمرانية واكتظاظ سكاني وضعف الالتزام بالقوانين المنظمة للسلوك العام، الأمر الذي جعل الأماكن العامة كوسائل النقل، والمطاعم، والمقاهي، والمؤسسات الخدمية، وحتى بعض المرافق الصحية والتعليمية، أندية المشاهدة بيئات غير آمنة صحيًا. ولعل من مظاهر التخلف والتأخير والتردي أن تنتهك حقوق الإنسان ومن حق كل إنسان الاستمتاع بالهواء النقي والبيئة الصحية الآمنة وكل من يعتدي ويعرض حياة الآخرين للخطر يجب أن يُردع بالعقوبات التي تمنع اللامبالاة والاستهتار بحقوق الآخرين. وللآسف قد تسن التشريعات الصارمة وتُفعل وتجد أول من يتجاوزها أصـحابها لأن التدخين أصبح وباء حقيقي تجاوز حد الوصف وهو الموت الصامت.
يمكن تفسير انتشار التدخين في الأماكن العامة من خلال تداخل عدة عوامل اجتماعية وسلوكية وتشريعية، من أبرزها: *ضعف الوعي الصحي بمخاطره* لا يزال معظم أفراد المجتمع يجهلون أو يتجاهلون المخاطر الحقيقية للتدخين السلبي، ويعتبر التدخين سلوكًا شخصيًا لا يؤثر في الآخرين، رغم الأدلة العلمية القاطعة التي تثبت عكس ذلك. وكذلك من أسباب انتشار التدخين في الأماكن العامة التطبيع الاجتماعي مع التدخين؛ نجد أن في بعض الثقافات يُنظر إلى التدخين بوصفه سلوكًا اجتماعيًا مقبولًا، بل وأحيانًا رمزًا للرجولة أو الاستقلالية، ما يعزز ممارسته علنًا دون مراعاة للآخرين. ومن أقوى الأسباب ضعف تطبيق القوانين؛ حتى في الدول التي سنت تشريعات تمنع التدخين في الأماكن العامة، فإن ضعف الرقابة وغياب العقوبات الرادعة يسهمان في استمرار الظاهرة. وتمثل العوامل النفسية أحد الأسباب البارزة لانتشار فوضى التدخين في الأماكن العامة، حيث يلجأ بعض الأفراد إلى التدخين كوسيلة للتخفيف من التوتر والضغوط الحياتية، خاصة في البيئات الحضرية المكتظة. كما للإعلان والترويج للتبغ التأثير غير المباشر، رغم القيود المفروضة على الإعلانات، لا تزال صناعة التبغ تؤثر في السلوكيات عبر وسائل غير مباشرة، كالرعاية والمنتجات البديلة.
يمثل التدخين في الأماكن العامة تهديدًا مباشرًا للصحة العامة، وله مخاطره التي لا حصر لها، حيث يتم استنشاق غير المدخنين للدخان المنبعث من السجائر (التدخين السلبي) يؤدي إلى تعرضهم لمئات المواد الكيميائية السامة، بما في ذلك مواد مسرطنة مثبتة علميًا. نتيجة لانتشار ظاهرة التدخين في الأماكن العامة يزداد خطر الإصابة بالربو، والتهاب الشعب الهوائية المزمن، والانسداد الرئوي المزمن، خاصة لدى الأطفال وكبار السن. وكذلك أمراض القلب والأوعية الدموية، حيث يرتبط التعرض لدخان التبغ بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية والسكتات الدماغية. ويتمدد تأثير الدخان على الفئات الهشة كالنساء الحوامل، والأطفال، ومرضى الأمراض المزمنة هم الأكثر تضررًا من التدخين في الأماكن العامة.
تشير التقديرات العالمية إلى أن التدخين السلبي مسؤول عن نسبة معتبرة من حالات سرطان الرئة بين غير المدخنين. فعلى المستوى العالمي، تُسجل سنويًا عشرات الآلاف من حالات سرطان الرئة المنسوبة مباشرة إلى التعرض لدخان التبغ في الأماكن العامة وأماكن العمل. فعلى مستوى العالم يُقدَّر أن التدخين السلبي يتسبب في أكثر من 1.2 مليون حالة وفاة سنويًا، جزء كبير منها ناتج عن سرطان الرئة.
بالرغم من أن معدلات التدخين في أفريقيا أقل نسبيًا مقارنة ببعض المناطق الأخرى، إلا أن ضعف التشريعات والرقابة يجعل التعرض للتدخين السلبي مرتفعًا، مع تسجيل آلاف الحالات من سرطان الرئة سنويًا بين غير المدخنين.
وكذلك تُعد دول آسيا من أكثر الدول تضررًا، نظرًا للكثافة السكانية العالية وانتشار التدخين في الأماكن العامة، حيث تسجل أعداد كبيرة من حالات سرطان الرئة المرتبطة بالتدخين السلبي، خاصة في شرق وجنوب شرق آسيا.
كما يُعد التدخين أحد أهم أسباب الوفاة التي يمكن الوقاية منها. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن التدخين يتسبب في وفاة أكثر من 8 ملايين شخص سنويًا حول العالم، من بينهم نحو 1.2 مليون وفاة بين غير المدخنين نتيجة التعرض للتدخين السلبي. وتشمل هذه الوفيات أمراض القلب، والسكتات الدماغية، وسرطان الرئة، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة.
كيف يمكن للدول ضبط فوضى ظاهرة التدخين في الأماكن العامة والحيوية؟ لمواجهة هذه الظاهرة، تبنت العديد من الدول آليات متعددة، من أهمها: *أولاً* سنّ تشريعات صارمة من خلال إصدار قوانين واضحة تمنع وتُجرم التدخين في جميع الأماكن العامة المغلقة ووسائل النقل. *ثانياً* فرض غرامات وعقوبات رادعة، تطبيق عقوبات مالية وقانونية على المخالفين، سواء الأفراد أو المؤسسات. *ثالثاً* تعزيز الرقابة والتفتيش، تضمن تفعيل دور الجهات الرقابية لضمان الالتزام بالقوانين. *رابعاً* التثقيف والتوعية الصحية، تنفيذ حملات التوعية والتثقيف الصحي عن مخاطر وأضرار التدخين وعلاقته بعدد من الأمراض الفتاكة وكذلك تكثيف الحملات الإعلامية لرفع الوعي بمخاطر التدخين السلبي.
اتبعت دول عديدة سياسات ناجحة في الحد من التدخين في الأماكن العامة، من أبرزها الحظر الشامل للتدخين في الأماكن العامة المغلقة والمفتوحة في بعض الدول، رفع الضرائب على منتجات التبغ لتقليل الإقبال عليها، تغليف السجائر بتغليف تحذيري موحد يتضمن صورًا ونصوصًا صادمة عن الأضرار الصحية، تجريم الإعلان والترويج للتبغ بكافة أشكاله سواء كان عبر الدعاية الإعلامية أو نهج يشجع على الإقبال عليه، وتوفير خدمات الإقلاع عن التدخين ضمن نظم الرعاية الصحية الأولية.
إن انتشار التدخين في الأماكن العامة والحيوية يمثل انتهاكًا واضحًا لحق الأفراد في بيئة صحية آمنة، ويُعد تحديًا مركزيًا للصحة العامة. وتؤكد الأدلة العلمية أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب تكاملًا بين التشريعات الصارمة، والتطبيق الفعّال للقوانين، والتوعية المجتمعية المستمرة. ومن دون ذلك، ستظل المجتمعات تدفع ثمنًا باهظًا يتمثل في ارتفاع معدلات المرض والوفيات، لا سيما بين الفئات الأكثر هشاشة. وعليه، فإن الاستثمار في سياسات مكافحة التدخين هو استثمار مباشر في صحة الإنسان والتنمية المستدامة.
ولنا لقاء إن شاء الله….
تحياتي وتقديري….
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك.
تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور
كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…





