‫الرئيسية‬ مقالات عبد الله أحمد التهامي سيرة تُروى بالأثر لا باللقب
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

عبد الله أحمد التهامي سيرة تُروى بالأثر لا باللقب

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

عبد الله أحمد التهامي سيرة تُروى بالأثر لا باللقب

ليس كل إنسانٍ يحتاج إلى زمنٍ طويل لتُكتشف ملامحه الحقيقية؛ فبعض الرجال تكفيك بداياتهم لتوقن أن المستقبل يُمهَّد لهم بصمت. أن تراهم قبل الألقاب، وقبل المواقع، وقبل أن تفرض المناصب حضورها، فتدرك أن ما يتشكّل أمامك ليس طارئًا، بل مسارٌ يُبنى على مهل. هكذا عرفتُ البروفيسور عبد الله أحمد التهامي في ثمانينات القرن العشرين؛ قبل الأمانة العامة، وقبل المسؤوليات القيادية، عرفته إنسانًا تُصاغ شخصيته بالفعل، وتُبنى ملامحه من العمل وتحمل المسؤولية، لا من الشعارات ولا من الادّعاء.

 

وُلد في المايقوما وترعرع فيها، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة السجانة المزدوجة – التي تغيّر اسمها لاحقًا إلى مدرسة النور خضر النور – ثم واصل مرحلته الوسطى بمدرسة الخرطوم الوسطى (المسائية) الواقعة غرب مقابر فاروق، والمعروفة رسميًا باسم مدرسة الخرطوم جنوب الحكومية، قبل أن ينتقل إلى المرحلة الثانوية بمدرسة الخرطوم الجديدة الثانوية.

 

ومنذ سنواته الأولى، بدت روح الاعتماد على النفس والعمل الجاد واضحة في مساره؛ إذ عمل وهو صغير في تجارة الفواكه، ولا سيما المانجو خلال الإجازات الصيفية، كما أقام كشكًا صغيرًا للأدوات المكتبية في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كان يقع جوار مدرسة المايقوما للبنات بشارع السجانة. وقد شكّلت هذه التجارب العملية المبكرة مدرسة حقيقية في فهم الحياة، والتعامل مع الناس، وتحمل المسؤولية.

 

ويجدر التنويه إلى أن والده – رحمه الله رحمة واسعة – لم يكن تاجرًا بالمعنى المتعارف، بل كان يدير بوفيهات لسنوات طويلة في عدد من المؤسسات الحكومية، من بينها وزارة الزراعة والغابات، والسجون، وسكّ العملة. وقد شارك في هذا العمل بعض إخوته، بينما شقّ عبد الله طريقه العملي مبكرًا بصورة مستقلة، مكتسبًا خبرته بجهده الخاص.
ولم تتوقف آثار عمله المبكر عند حدود الاعتماد على النفس، بل تجاوزتها إلى تحمّل مسؤوليات أسرية ملموسة؛ إذ أسهم من دخله في تجارة المانجو خلال الإجازات الصيفية في تغطية جزء من نفقات دراسة شقيقه المرحوم البروفيسور التهامي رحمه الله، حين كان طالبًا بكلية الطب في جامعة الإسكندرية، في موقف يعكس حسًّا عاليًا بالمسؤولية، ووفاءً للأسرة، وتقديم الواجب على الذات.

 

ولم يكن انشغاله بشؤون الدنيا صارفًا له عن معاني الآخرة؛ فقد لازم والده في الصلاة بمسجد السجانة، حيث تعلّم على يد شيخه الشيخ مصطفى أحمد ناجي – رحمه الله – أدب الدعوة، وحكمة الخطاب، وفن مخاطبة الناس على قدر عقولهم. وكان تأثّره به عميقًا وصادقًا، حتى سمّى أحد أبنائه باسمه تيمّنًا ومحبة، في دلالة على أثرٍ تجاوز حدود الإعجاب إلى معنى القدوة.

 

وفي المرحلة الثانوية، بدأ حضوره يلفت الانتباه خطيبًا ومحاورًا، يلقي الدروس بين زملائه بثقة ووعي، ثم جاءت جامعة الخرطوم لتكشف عن تعدّد مواهبه في الخطابة، والإدارة، والتخطيط، إلى جانب سلوكٍ راقٍ وأخلاقٍ نبيلة صنعت له قبولًا واسعًا، لا وسط إخوانه في الجماعة فحسب، بل لدى كل من عرفه أو تعامل معه.

 

كان – ولا يزال – من أولئك الذين ينشغلون بعظائم الأمور لا بصغائرها، يحترم الصغير قبل الكبير، ولا يحمل في قلبه ضغينة ولا حسدًا. نادرًا ما تُسمع عنه خصومة شخصية، وكثيرًا ما تُروى عنه مواقف خدمة وعون؛ لأنه اختار أن يسير في دربٍ خالٍ من المعارك الجانبية، مقتديًا بشيخه الشيخ محمد هاشم الهدية – رحمه الله – الذي تعلّم منه حسن الاستماع، والحكمة في الرد، وفن الإدارة الهادئة البعيدة عن المظهرية والضجيج.

 

ومع إخوانه: الأستاذ كامل عمر البلال، والدكتور عبد الله أبو، والأستاذ محمود حسن، كان امتدادًا طبيعيًا للرعيل الأول للجماعة، أمثال البروفيسور عمر التهامي، والبروفيسور محمد عكود، والدكتور شلوبة. وفي تلك المرحلة، ازدهرت الدعوة داخل جامعة الخرطوم، ثم انطلقت إلى سائر الجامعات، في عملٍ منظم كان الشيخ ميرغني – الأمين العام للجماعة آنذاك – يتابعه بنفسه توجيهًا وإشرافًا، ويزوّد الشباب بالأدوات الفكرية التي تحفظ مكاسب الدعوة وتواجه التيارات والمناهج المنحرفة.

 

ومن المحطات المفصلية التي لا يصح تجاوزها في سيرته، دوره المهم والحكيم في تطوير كلية دلتا، حيث أسهم إسهامًا واضحًا في إدارتها وتوجيه مسارها الأكاديمي والتنظيمي، حتى تهيأت – بعون الله – للتحول إلى جامعة دلتا. وقد تميّز هذا الدور بالحكمة وبعد النظر، والقدرة على إدارة التحولات المؤسسية المعقّدة بهدوء واتزان، بعيدًا عن الضجيج.

تدرّج البروفيسور عبد الله التهامي في مواقع القيادة حتى صار أمينًا عامًا للجماعة، ثم اختير لاحقًا لتولي مناصب تنفيذية، من معتمد، إلى وزير، إلى والي، فخدم في الكاملين، والأبيض، ونهر النيل. وهناك، بعيدًا عن الأضواء، ترك أثرًا باقياً، شهد له به الناس قبل الوثائق، والذاكرة المحلية قبل السجلات الرسمية.
ولم يكن عطاؤه محصورًا في المواقع الرسمية؛ فقد عُرف بمساندته لجيرانه وأهل حيه، سواء قبل توليه موقع المحافظ أو بعده، واستمر هذا النهج الإنساني حتى ما قبل اندلاع الحرب، في سلوكٍ يعكس ثبات القيم، واستمرار الصلة بالناس بعيدًا عن اعتبارات المنصب.
وقد عادت هذه السيرة لتنبض أمامي من جديد، لا عبر كتب التراجم، بل من موقفٍ عابر في مكان عملي؛ إذ التحق معنا مؤخرًا أحد الزملاء من أبناء الكاملين. وخلال حديثٍ عفوي، ذُكر اسم البروفيسور عبد الله التهامي، فانطلقت شهادة صادقة بلا تكلّف، يسرد فيها إنجازاتٍ ما زالت آثارها قائمة، وكأنها أحداث قريبة العهد لا سنوات مضت، وذكرًا حسنًا يتردّد على ألسنة أهل الكاملين كلما ذُكر اسمه.
وهنا أدركت – مرة أخرى – أن الأثر الحقيقي لا تصنعه المناصب، بل تصنعه النزاهة، والعدل، وخدمة الناس بصمت.
حفظ الله البروفيسور عبد الله أحمد التهامي، الذي ما يزال يؤدي رسالته الدعوية أمينًا عامًا للجماعة، ورفيقَ درب الرئيس العام إسماعيل عثمان، ومستشاره المقرّب وأحد معاونيه، ويواصل عطاؤه الأكاديمي عضوًا بهيئة التدريس في جامعة أم درمان الإسلامية. وبقي – كما عرفناه – قيمةً إنسانية قبل أن يكون مسؤولًا، وقدوةً هادئة تمشي على الأرض بثبات واتزان.
وخالص التحية والتقدير له.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…