وطنٌ لا يُشترى
إتجاه البوصلة بقلم / الجزولي هاشم

ليس السودان سلعةً في مزاد الإقليم، ولا ورقةَ مساومةٍ على طاولات المال السياسي، ولا جغرافيا سائبة تُدار بالشيكات. السودان وطنٌ صُنع بالصبر، وحُمي بالدم، وتماسك بالإيمان، ولذلك هو وطنٌ لا يُشترى.
في لحظات المحن الكبرى تتعرّى الحقائق. يسقط القناع عن دعاة “الاستقرار الزائف”، ويظهر الوجه الحقيقي للتدخلات التي لا ترى في الأوطان إلا فرصًا، ولا في الشعوب إلا أرقامًا قابلة للإزاحة. ما جرى في السودان لم يكن صدفة، ولا انفجارًا داخليًا بلا محرّض، بل فصلًا من كتاب الفوضى المصنوعة، حيث يُستثمر في التمرد، وتُغذّى الانقسامات، وتُستهدف البنية التحتية، ويُترك الشعب يدفع الفاتورة.
لكن الحسابات أخطأت جوهر هذا البلد. أخطأت حين افترضت أن المال يكسر الإرادة، وأن الحصار يطفئ العزيمة، وأن طول الطريق يُضعف الثبات. السودان تاريخًا وتجربة، يعرف الصبر بوصفه استراتيجية، لا مجرد احتمال. ويعرف الثقة في نصر الله يقينًا يعمل في الزمن، لا شعارًا للاستهلاك.
القوات المسلحة، ومعها القوات المساندة، لم تقاتل فقط بالسلاح، بل بمعنى الدولة. قاتلت بفكرة الوطن الذي لا يُدار بالوكالة، ولا يُختزل في مصالح عابرة للحدود. وفي المقابل، وقف الشعب حارسًا للمعنى، رافضًا أن يتحول إلى جمهورٍ في مسرح الخراب. هذا التلاقي بين البندقية التي تحمي، والظهر الشعبي الذي يسند، هو ما أربك المخطط وأطال أنفاس الصمود.
أما الذين ظنوا أن التدخل الخشن يمر بلا كلفة، فقد تناسوا درس التاريخ القريب: الأوطان لا تُشترى، وقد تتأخر الحقيقة، لكنها لا تُهزم. المال قد يموّل الفوضى، لكنه لا يبني دولة. والدمار قد يترك أثرًا، لكنه لا يقتل الذاكرة ولا يكسر الهوية. وحين تُختبر الشعوب، يكون معيار النصر هو القدرة على الثبات حتى تتآكل رهانات الخصم.
إن معركة السودان اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي. على تسمية الأشياء بأسمائها، وفضح الدور السالب للتدخلات التي دعمت التمرد وأسهمت في قتل المدنيين وتخريب بنية الحياة. وهي معركة تُخاض بالكلمة كما تُخاض بالموقف، وبالتحليل كما تُخاض بالتعبئة، لأن الوعي هو الساتر الأخير للدولة.
الصبر هنا ليس انتظارًا سلبيًا، بل عملٌ تراكمي: ترتيب الصف، ترميم الثقة، وحماية المعنى الوطني من التشويه. والثقة في نصر الله ليست تفويضًا للفوضى، بل التزامٌ بأسباب النصر: وحدة الصف، وضوح الهدف، وعدالة القضية. وحين تكتمل هذه الشروط، يصبح الزمن حليفًا لا خصمًا.
سيبقى السودان عصيًّا على الشراء. لأن الأوطان التي تُشترى تُباع، أما الأوطان التي تُحمى فتنتصر. ولأن هذا الشعب، حين يختار الصبر، لا يفعل ذلك ضعفًا، بل معرفةً بأن النصرحين يأتي، يأتي كاملًا.
هذا وطنٌ لا يُشترى.
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





