‫الرئيسية‬ مقالات ملحمةُ الكرامةِ… ذاكرةُ التضحيةِ السودانيةِ
مقالات - ‫‫‫‏‫يوم واحد مضت‬

ملحمةُ الكرامةِ… ذاكرةُ التضحيةِ السودانيةِ

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

ملحمةُ الكرامةِ… ذاكرةُ التضحيةِ السودانيةِ

في تاريخ الشعوب لحظاتٌ فارقةٌ لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة الجمعية، لحظاتٌ تتجاوز حدود الزمان والمكان لتصبح أيقونةً خالدةً تُروى للأجيال جيلاً بعد جيل. ومن بين تلك اللحظات المضيئة تبرز معركةُ الكرامةِ في السودان، التي جسّد فيها الأبطال معنى التضحيةِ والفداءِ، وكتبوا بدمائهم الطاهرةِ سطوراً من المجدِ والبطولةِ، لتظل شاهداً على أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الكرامةَ لا تُشترى ولا تُباع.

 

لقد كانت معركةُ الكرامةِ أكثر من مواجهةٍ عسكريةٍ، كانت صرخةً في وجه الظلمِ، وإعلاناً بأن السودانَ لا يرضى بالانكسارِ ولا يقبل بالهوانِ. وقف الرجالُ في ساحات القتالِ بصدورٍ عاريةٍ وإيمانٍ راسخٍ، مدركين أن التضحيةَ هي الطريقُ الوحيدُ لحماية الأرضِ والعرضِ، وأن دماءهم هي الثمنُ الذي يجب أن يُدفعُ لتبقى رايةُ الوطنِ مرفوعةً عاليةً.

 

في تلك اللحظات العصيبةِ، لم يكن الأبطالُ يبحثون عن مجدٍ شخصيٍ أو مكاسبَ آنيةٍ، بل كانوا يحملون في قلوبهم همّ الوطنِ، ويضعون نصب أعينهم مستقبل الأجيالِ القادمةِ. كانوا يعلمون أن التاريخَ لا يرحمُ المتخاذلين، وأنه لا يخلّد إلا من اختاروا طريقَ التضحيةِ والبطولةِ. وهكذا تحوّلت معركةُ الكرامةِ إلى رمزٍ خالدٍ، وإلى مدرسةٍ تُعلّم معنى الصمودِ والإصرارِ، وتُذكّر بأن الحريةَ لا تُمنحُ بل تُنتزعُ انتزاعاً.

 

إن تضحياتِ أولئك الرجالِ لم تكن مجرد حدثٍ عابرٍ، بل كانت نقطةَ تحولٍ في مسارِ السودانِ، إذ أعادت للأمةِ ثقتها بنفسها، وأثبتت أن الشعبَ السودانيَّ قادرٌ على مواجهة التحدياتِ مهما عظمت. لقد أضاءت دماؤهم الطاهرةُ دروبَ الحريةِ، وأرست دعائمَ الكرامةِ، لتبقى شاهداً على أن السودانَ بلدٌ لا ينكسرُ، وأن أبناءه رجالٌ لا يهابون الموتَ حين يتعلق الأمرُ بالوطنِ.

 

واليوم، ونحن نستعيد ذكرى تلك الملحمةِ، ندرك أن مسؤوليتنا لا تقتصرُ على الاحتفاءِ بها، بل تمتد لتشمل الحفاظَ على قيمها، وغرس معانيها في نفوسِ الأجيالِ الجديدةِ. فالأبطالُ الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الوطنِ يستحقون أن يُخلّدوا في ذاكرةِ الأمةِ، وأن تُروى قصصهم في المدارسِ والجامعاتِ، وأن تُكتب بأحرفٍ من نورٍ في صفحاتِ التاريخِ.

 

معركةُ الكرامةِ لم تكن مجرد مواجهةٍ عسكريةٍ، بل كانت إعلاناً عن ميلادِ عهدٍ جديدٍ، عهدٍ تُصان فيه الكرامةُ، وتُحفظ فيه الأرضُ، ويُرفع فيه علمُ السودانِ عالياً. إنها رسالةٌ للأجيالِ القادمةِ بأن الحريةَ لا تُمنحُ بلا ثمنٍ، وأن التضحيةَ هي السبيلُ الوحيدُ لصونِ الوطنِ، وأن دماءَ الأبطالِ هي الحبرُ الذي يُكتبُ به تاريخُ الأممِ.

 

وهكذا، ستظل معركةُ الكرامةِ في السودانِ علامةً فارقةً في مسيرةِ الوطنِ، وستبقى تضحياتُ الأبطالِ نبراساً يضيءُ الطريقَ، لتعلم الأجيالُ أن الكرامةَ لا تُصانُ إلا بالدماءِ، وأن الحريةَ لا تُحفظُ إلا بالتضحياتِ، وأن الرجالَ الذين صنعوا التاريخَ هم الذين يخلّدهم الزمنُ، مهما حاولت الأيامُ أن تُنسي، ومهما حاولت الظروفُ أن تُغيّبَ.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…