‫الرئيسية‬ مقالات حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي(١-٣)
مقالات - ‫‫‫‏‫يوم واحد مضت‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي(١-٣)

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي(١-٣)

ليست المشكلة في غياب السرديات،
ولا في ضعف اللغة،
ولا حتى في شُحّ الأقلام.
المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
المشكلة حين تتكاثر السرديات في فضاءٍ لم يُحسم فيه بعد: من نحن؟ وما هي الدولة؟ ولماذا نقاتل – أو نُدار – بهذا الشكل؟
في السودان، لم تتعدد السرديات بوصفها إثراءً للفهم،
بل تكاثرت بوصفها أدوات شدّ وجرّ للوعي،
حتى بات المواطن واقفًا في منتصف المشهد،
تسحبه سردية من ذراعه اليمنى،
وتشدّه أخرى من ذراعه اليسرى،
بينما تضيع الحقيقة في المنتصف.
وهنا… تبدأ #أصل_القضية.

أولا – وهم “تعدد السرديات”

يكتب البعض عن:
●سردية عسكرية
●سردية اقتصادية
●سردية سياسية
●سردية مدنية
●سردية إنسانية
وكأننا نتحدث عن ملفات منفصلة داخل دولة مستقرة،
لا عن بلدٍ ما زال قيد إعادة التعريف.
هذا التعدد لا يُنتج وعيًا،
بل يُنتج تشظيًا إدراكيًا:
●كل فئة تفهم السودان من زاويتها،
●وتُطالب الآخرين بالاصطفاف خلف قراءتها الجزئية.
وهذا بالضبط ما وصفناه في #أصل_القضية بأنه:
> استلاب داخلي للوعي باسم التنوع.
كما في رواية «مزرعة الحيوان»، لجورج أوريل
حين قيل:
“كل الحيوانات متساوية… لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها”،
نجد اليوم من يقول لنا:
هناك سردية وطنية…
وهناك سرديات “ضرورية” موازية.
والنتيجة؟
لا وطن،
ولا سردية.

ثانيا : لماذا السردية الواحدة ليست خطرًا؟

يُخيفهم مصطلح “السردية الواحدة”،
لأنهم يخلطون بينها وبين الخطاب الواحد.
والفارق بينهما جوهري:
●الخطاب الواحد = قمع الاختلاف
●السردية الواحدة = إطار جامع للاختلاف

السردية الوطنية الواحدة لا تلغي:
●التحليل العسكري
●الرؤية الاقتصادية
●النقاش السياسي
بل تضعها جميعًا داخل قصة كبرى واحدة:
قصة الدولة… لا قصة الجماعة.
السردية هنا ليست رأيًا،
بل بنية وعي:
تحدد من هو الخصم
تشرح لماذا ندفع الكلفة
تفسر أين نقف الآن
وتُعطي معنى لما نتحمله
أخطر ما في تعدد السرديات
الخطر ليس في اختلاف التفسير،
بل في أن كل سردية تبدأ بتبرئة نفسها، وتنتهي باتهام الآخرين.
السردية العسكرية ترى الفشل مدنيًا.
السردية الاقتصادية تراه سياسيًا.
السردية السياسية تُحيله إلى “الظرف”.
وفي النهاية:
لا أحد يُحاسَب
ولا أحد يملك الصورة كاملة
وتبقى الدولة بلا رواية تحميها
الدولة التي لا تمتلك سرديتها،
يكتبها الآخرون عنها…
ثم تُفاجأ أنها صارت غريبة عن نفسها.

ثالثا – الجسر والمورد: السردية كأداة دولة

في رؤية الجسر والمورد،
السردية ليست ترفًا فكريًا،
ولا مادة رأي،
بل أداة سيادية ناعمة.
هي الجسر بين:
القرار والمجتمع
الألم والمعنى
التضحية والغاية
وهي المورد الذي:
يمنع استهلاك الوعي داخليًا
ويمنع تصديره خارجيًا مشوّهًا
حين تكون لدينا سردية وطنية واحدة:
يختلف الناس داخلها
لا عليها
ويتجادلون في التفاصيل
لا في أصل القصة

#أصل_القضية،،،
السودان لا يحتاج مزيدًا من السرديات،
بل يحتاج شجاعة فكرية للاعتراف أن:
تعدد السرديات في لحظة بناء الدولة
ليس تنوعًا… بل تفكيكًا.
نحتاج أن نتوقف عن السؤال: من يملك السردية؟
ونبدأ بالسؤال الأخطر: هل نملك سردية أصلًا؟
نواصل…وفي #أصل_القضية، سننتقل من التشخيص إلى البناء

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…