‫الرئيسية‬ مقالات تعس عبد الدرهم
مقالات - ‫‫‫‏‫18 ساعة مضت‬

تعس عبد الدرهم

د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي

تعس عبد الدرهم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله امابعد:

( تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار)

ليست هذه العبارة النبوية مجرد ذمٍّ لحب المال، بل هي كناية خالدة عن كل من جعل الدنيا ميزانه، وباع القيم، وارتضى أن يكون عبدًا لما يملك لا لما يؤمن به. وهي اليوم أصدق ما تكون وصفًا لأولئك الذين باعوا أوطانهم بحطام الدنيا، واستبدلوا شرف الانتماء بثمن بخس، فخسروا أنفسهم قبل أن يخسروا أوطانهم.

الوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الرخاء ويُطوى عند الشدة، بل هي موقف، وثبات، واستعداد لدفع الثمن حين يكون الثمن غاليًا. أما العملاء، فقد اختاروا الطريق الأسهل: طريق الدرهم والدينار، طريق المصالح الضيقة، طريق الارتهان للخارج ولو كان الثمن دماء الأبرياء وخراب الديار. ظنّوا أن المال يمنحهم قيمة، فإذا به يفضح خواءهم، ويتركهم في آخر الصفوف، بلا احترام ولا تاريخ.

وفي هذه الظروف العصيبة، حيث مرّ السودان بواحدة من أقسى محنه، يبرز الفرق جليًا بين من ثبت مع وطنه ومن ساوم عليه. فها هو المواطن السوداني الغيور، رغم الجراح والتعب، يفرح بعودة الخرطوم، لا فرح المنتصر المتكبر، بل فرح من يرى في عودة العاصمة رمزًا لعودة الروح، ودليلًا على أن الأوطان قد تُنهك لكنها لا تموت، وقد تتألم لكنها لا تُباع.

إن فرحة السوداني بعودة الخرطوم ليست فرحة مكان، بل فرحة معنى: معنى الصمود، ومعنى أن الأرض تعرف أهلها، وأن التاريخ لا يكتب أسماء العملاء إلا في هوامش العار. أما الذين راهنوا على سقوط الوطن ليصعدوا على أنقاضه، فسيكتشفون متأخرين أن الأوطان لا تكافئ من خانها، وأن الشعوب لا تنسى.

تعس عبد الدرهم، وتعس عبد الدينار، لأن المال يذهب ويبقى الوطن، ولأن الكرامة إن ضاعت لا يشتريها كنز، ولأن السودان—برغم كل شيء—سيظل أكبر من خيانات صغار النفوس، وأبقى من صفقات العابرين. (وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون)

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…