‫الرئيسية‬ مقالات السودان على النار الأمريكية
مقالات - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

السودان على النار الأمريكية

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

السودان على النار الأمريكية

الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة بين جيش وطني ومليشيا متمردة، بل تحولت إلى مسرح واسع تديره أيادٍ خارجية، وتُكتب نصوصه في غرف مغلقة بعواصم بعيدة، حيث تُصاغ الخرائط وتُوزع الأدوار وتُحدد المصائر وفقاً لمصالح القوى الكبرى. الولايات المتحدة الأمريكية- اللوبي الصهيوني، والتي اعتادت أن تُشعل الحرائق ثم تدّعي أنها جاءت لإطفائها، وضعت السودان على نارها الخاصة، نار لا تنطفئ ولا تهدأ، نار تُبقي البلاد في حالة اضطراب دائم، فلا هي حرب كاملة تُحسم ولا هي سلم مستقر يُبنى عليه مستقبل، وإنما أزمة مفتوحة قابلة للاستثمار كلما دعت الحاجة.

 

في هذا المشهد الملتبس، تظهر أبوظبي كأحد أبرز اللاعبين الإقليميين، لكنها لا تتحرك خارج المدار الأمريكي، بل تبيع الوهم بالدعم السريع، وتُقدمه كأداة سياسية قابلة للاستخدام في أي لحظة، ورقة محروقة لكنها ما زالت تُستعمل لإعادة إشعال الصراع عند الحاجة. أبوظبي وصمود والرباعية ومجلس الأمن، جميعهم يتحركون وفق هندسة أمريكية دقيقة، لا يملكون أن يخرجوا عنها ولا أن يتجاوزوا حدودها، فهم مجرد أدوات في مشروع أكبر، مشروع يهدف إلى إبقاء السودان في حالة “لا حرب ولا سلم”، حالة تُتيح التدخل المستمر وتُبقي الباب مفتوحاً أمام إعادة إنتاج الأزمة.

 

المشاريع السياسية التي تتبناها أبوظبي في السودان ليست نزوة عابرة، بل هي جزء من رؤية استراتيجية طويلة المدى، لن تتخلى عنها مهما بلغت الكلفة، حتى لو اقتضى الأمر التضحية ببعض المليشيات، فالمهم هو الإبقاء على الدعم السريع ولو بشكل باهت، لأنه بالنسبة لهم صمام أمان، يضمن استمرار الفوضى ويُتيح العودة إلى الصراع مع الخصوم السياسيين متى ما اقتضت الحاجة.

 

المرحلة المقبلة لن تكون سهلة على الحكومة السودانية، فهناك ضغوط هائلة ستُمارس عليها، الهدف منها إيقاف التقدم الميداني وإجبارها على الدخول في تسوية سياسية تُبقي الأزمة قائمة، تسوية لا تُنهي الحرب ولا تُحقق السلم، بل تُعيد إنتاج الأزمة نفسها، بحيث يظل السودان عالقاً في دائرة مغلقة، رهينة لمعادلات خارجية لا ترى في استقراره مصلحة لها.

 

هنا يبرز التحدي الأكبر أمام الحكومة السودانية، هل ستظل أسيرة استراتيجية “رد الفعل”، تتعامل مع الأحداث بالقطعة وتنتظر ما يُفرض عليها من الخارج، أم أنها ستنتقل إلى استراتيجية “الفعل”، حيث تُرسم الخطط مسبقاً ويُحدد الهدف بوضوح ويُحسم الصراع جذرياً بإنهاء المليشيا واجتثاثها من جذورها. المطلوب هو أن تسلك الحكومة نهج “الجمل ماشي والكلاب تنبح”، أن تمضي في مسارها دون الالتفات إلى الضغوط أو الضجيج الخارجي، لأن المعركة ليست فقط مع مليشيا مسلحة، بل مع منظومة سياسية إقليمية ودولية ترى في استمرار الأزمة فرصة ذهبية لتحقيق مصالحها.

 

السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، إما أن يظل رهينة للهندسة السياسية الأمريكية وأدواتها الإقليمية، وإما أن يفرض إرادته عبر استراتيجية فعلية تتجاوز ردود الأفعال وتضع حداً نهائياً للصراع. الخيار واضح والمسؤولية جسيمة، لكن الطريق نحو الاستقرار يبدأ من قرار حاسم، قرار يُنهي المليشيا ويُحصن الدولة ضد مشاريع الهيمنة والتفتيت.

 

فلتكن الرسالة واضحة وصريحة، السودان ليس ملعباً لتجارب الآخرين ولا ساحة لتصفية حساباتهم، السودان دولة لها سيادة وشعبها يستحق أن يعيش في استقرار كامل لا في أزمة مصطنعة تُدار من الخارج. والكلاب ستظل تنبح، وإذا قربت الكلاب فاليرفسه الجمل السوداني ويمضي في طريقه، لا يلتفت ولا يتوقف، حتى يصل إلى بر الأمان، وحتى يُثبت للعالم أن السودان لا يُباع ولا يُشترى، وأن نار أمريكا مهما اشتعلت لن تحرق إرادة شعب قرر أن يعيش حراً مستقلاً فوق أرضه وتحت سمائه.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

السودان يموت بالناموس صاعق الناموس ليس رفاهية بل قضية مواطن.

بينما ينشغل السودان بازماته السياسيه والاقتصاديه يستمر عدو صامت في حصد الارواح يوميا دون ض…