مهنة البحث عن الحقائق… حين تروي الأرض ما لا تقوله التقارير
حديث الساعة الهام سالم منصور

يقول الكثيرون إن مهنة الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب، لكن هذا الوصف في تقديري غير دقيق؛ فالصحافة في جوهرها ليست سعياً وراء المتاعب، بل هي رحلة دائمة نحو الحقيقة… الحقيقة التي قد لا يراها البعض، أو ربما لا يريد أن يراها. الصحافة صوت من لا صوت له، ومرآة تعكس الواقع كما هو، بعيداً عن الزيف والتجميل.
في جولة ميدانية قادتني إلى سهول البطانة، حيث تمتد الأرض بين السهول والوديان، حاولت أن أقترب من حياة الناس هناك، أن أعيش تفاصيل يومهم، وأن أستمع إلى حكاياتهم التي لا تصل إلى المنابر الرسمية ولا تتصدر نشرات الأخبار. تنقلت بين الرعاة والرحل، فوجدت نفسي أمام سلسلة طويلة من المعاناة والصبر والتحدي، حياة بسيطة لكنها مليئة بالكرامة الإنسانية.
رغم قسوة الظروف، استقبلني أهل البطانة بكرم عربي أصيل، بعبارة “حبابك مرحب في دار”، وهي ليست مجرد كلمات، بل فلسفة حياة تعكس أصالة الإنسان السوداني. مساكنهم ليست خياماً كما قد يتخيل البعض، بل بيوت من الحطب والقش، يعيش فيها الإنسان جنباً إلى جنب مع ماشيته، في دائرة حياة واحدة تجمع الإنسان والحيوان في مواجهة الطبيعة.
أما الماء، فهو قصة أخرى من المعاناة؛ حفاير كادت أن تجف مع دخول فصل الصيف، يشرب منها الإنسان والماشية معاً، مشهد يجسد قسوة الواقع وقلة الخيارات. ورغم ذلك، وجدت طعاماً بسيطاً لكنه صحي، لقمة أو عصيدة من دقيق الفتريتة، وملاحاً يتنوع بين الروب وملاح اللبن، بلا زيوت ولا صلصات ولا خضروات وفيرة، لكن بروح الرضا والقناعة.
في التعليم، لا مدارس ولا خلاوى، ومع ذلك يظل الإيمان حاضراً؛ فلا أذان يعلو في المكان، لكن الصلاة تؤدى في وقتها بدخول الزمن، وكأن العلاقة بين الإنسان وربه أقوى من غياب المؤسسات. أما الصحة، فهي الغائب الأكبر؛ لا مراكز صحية ولا أدوية، فقط الأعشاب ومعرفة الأجداد.
وعندما سألت عن أوضاعهم، علمت أنهم ليسوا رحلاً كما يُعتقد، بل تم توطينهم منذ سبع سنوات، لكن بعد التوطين لم تصل إليهم أي خدمات حقيقية. حتى الحفير الذي أنشأوه بجهدهم الذاتي قوبل بالمنع من إدارة الغابات بحجة حماية الغطاء النباتي، رغم أن ما يوجد هناك مجرد شجيرات متناثرة. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل الغابة أهم من الإنسان والحيوان؟ وهل يمكن أن تُحمى الطبيعة على حساب حياة البشر؟
هؤلاء الناس ليسوا حملة سلاح ضد الدولة، ولا تجار مخدرات، ولا مهربين يهددون الاقتصاد، بل رعاة يربون ثروة حيوانية تُصدر باسم السودان وتُعد من أجود أنواع الماشية في العالم. يدفعون الضرائب والزكاة، وتصل إليهم السلطات عندما يتعلق الأمر بالجبايات، لكنها تغيب عندما يتعلق الأمر بالخدمات والحقوق.
من المسؤول عن هؤلاء؟ سؤال يظل مفتوحاً أمام كل الحكومات التي تعاقبت على البلاد، والتي يبدو أنها اهتمت بغنائمهم أكثر من اهتمامها بصحتهم وتعليمهم وكرامتهم الإنسانية.
إن مهنة الصحافة ليست مجرد نقل أخبار، بل هي وقوف إلى جانب الإنسان، ورفع الصوت نيابة عن المهمشين، حتى يصل صدى معاناتهم إلى من يملك القرار… لأن الحقيقة لا تكتمل إلا عندما تُسمع أصوات الأطراف البعيدة، حيث يعيش السودان الحقيقي.
الاثنين ٩فبراير ٢٠٢٦
أثر الصراع علي النسيج الاجتماعي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ فالأمن والاستقرار…





