القرار الأمريكي وتصنيف الحركة الإسلامية في السودان .. قراءة في المقاصد والسياقات
السفير/ رشاد فراج الطيب

لم يكن الإعلان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان وجماعة الإخوان المسلمين ضمن ما سمته ( التنظيمات الإرهابية) حدثاً معزولاً عن سياقاته السياسية والعسكرية ، كما لم يكن مجرد إجراء قانوني أو إداري محكوم باعتبارات موضوعية تتعلق بمحاربة الإرهاب .
فالقراءة المتأنية لطبيعة القرار وتوقيته ، وما تضمنه من إشارة مقصودة إلى – فيلق البراء بن مالك – الذي يقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية ، تكشف بوضوح أن الأمر يتجاوز حدود التصنيف القانوني إلى رسالة سياسية ذات أبعاد استراتيجية تتعلق بمسار الحرب في السودان وبمستقبل التوازنات السياسية فيه .
فالتوقيت الذي صدر فيه القرار ليس تفصيلاً عابراً .
إذ جاء في لحظة تشهد فيها القوات المسلحة السودانية تقدماً ميدانياً واضحاً في مواجهة التمرد المسلح المدعوم من الخارج ، مع تصاعد موجة الالتفاف الشعبي حول الجيش باعتباره المؤسسة الوطنية الحارسة لوحدة الدولة وبقائها.
وفي مثل هذا الظرف يصبح استهداف القوى السياسية والاجتماعية التي ساندت الجيش في معركة الدفاع عن الدولة محاولة واضحة للتأثير في ميزان الصراع وإعادة تشكيل صورته في الوعي الدولي .
ومن هنا يمكن فهم الإشارة المتعمدة إلى فيلق البراء بن مالك ، وهو تشكيل قتالي نشأ في سياق التعبئة الشعبية لمساندة القوات المسلحة في مواجهة التمرد المسلح .
فذكر هذا الفيلق في القرار لم يكن عرضياً ، بل جاء ليؤسس لرواية سياسية جديدة تحاول تصوير الحرب في السودان وكأنها صراع تشارك فيه ( قوى متطرفة) إلى جانب الجيش ، وليس مواجهة بين دولة وطنية وتمرد مسلح يهدد كيانها ووحدتها .
وهذه الرواية ، إن ترسخت في الخطاب الدولي ، يمكن أن تستخدم لاحقاً لتبرير ضغوط سياسية أو إجراءات عقابية أو حتى تدخلات تحت عناوين مختلفة .
كما أن القرار يكشف عن محاولة متجددة لإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني وفق رؤية تستبعد التيار الإسلامي من المجال العام بصورة كاملة .
فالحركة الإسلامية في السودان – بصرف النظر عن المواقف المتباينة تجاه تجربتها السياسية – تمثل تياراً اجتماعياً وسياسياً واسع الجذور في المجتمع السوداني ، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تنظيم معزول يمكن شطبه بقرار إداري صادر من خارج البلاد .
غير أن إدراجها في قوائم الإرهاب يهدف عملياً إلى تجريم حضورها السياسي والأخلاقي ، وإقصائها مسبقاً من أي ترتيبات سياسية قد تنشأ في مرحلة ما بعد الحرب .
ولا يمكن كذلك فصل هذا القرار عن تقاطعات إقليمية معروفة ، حيث تنظر بعض القوى والأنظمة الحاكمة في المنطقة إلى الحركات الإسلامية باعتبارها خصماً أيديولوجياً وسياسياً ينبغي تحجيمه أو استبعاده .
وفي كثير من الأحيان تتلاقى هذه الرؤية مع مقاربات غربية توظف شعار (مكافحة الإرهاب) أداة لإعادة رسم التوازنات السياسية في دول المنطقة ، بما يضمن صعود قوى معينة وإقصاء أخرى .
وفي هذا السياق يصبح تصنيف الحركة الإسلامية في السودان ، والإشارة إلى القوى القتالية التي ساندت الجيش ، جزءاً من محاولة أوسع للتأثير في مآلات الصراع السوداني ، وليس مجرد توصيف قانوني لطبيعة تلك القوى .
فالرسالة الضمنية للقرار هي ممارسة الضغط على المؤسسة العسكرية ، وإضعاف الحاضنة السياسية والشعبية التي وقفت معها في مواجهة التمرد والعدوان ، وتهيئة الأرضية الدولية لتصور معين عن مستقبل السودان .
غير أن التجربة السودانية عبر تاريخها الحديث تشير إلى أن المجتمع السوداني أكثر تعقيداً من أن يُختزل في التصنيفات الجاهزة أو يُعاد تشكيله بقرارات خارجية .
فالقوى السياسية والفكرية في السودان ، على اختلاف توجهاتها ، ظلت جزءاً من نسيج وطني واحد تشكل عبر عقود طويلة من التفاعل الاجتماعي والسياسي .
ومن ثم فإن أي محاولة لفرض هندسة سياسية من الخارج – عبر أدوات التصنيف أو الضغوط الدبلوماسية – ستظل عاجزة عن تجاوز حقائق الواقع السوداني وتعقيداته .
إن ما يجري اليوم يؤكد مرة أخرى أن (قوائم الإرهاب) لم تعد في كثير من الأحيان مجرد أدوات أمنية ، بل أصبحت في بعض الحالات وسيلة من وسائل إدارة الصراع السياسي الدولي .
وفي الحالة السودانية تحديداً يبدو أن هذا القرار يعكس إرادة للضغط وإعادة التوازن ، أكثر مما يعكس حكماً موضوعياً على طبيعة القوى التي استهدفها التصنيف .
ولهذا فإن القراءة الهادئة للقرار تقتضي النظر إليه في إطار صراع الإرادات حول مستقبل السودان ، لا بوصفه مجرد موقف قانوني عابر .
فالسودان ، بحكم موقعه الجيوسياسي وثقله التاريخي في محيطه الإقليمي ، سيظل ساحة لتقاطع المصالح الدولية ، وستظل محاولات التأثير في مساره السياسي قائمة .
غير أن الكلمة الأخيرة ، في نهاية المطاف ، تبقى للشعب السوداني وقواه الوطنية التي تملك وحدها حق تقرير مصير بلادها وصياغة مستقبلها علي النحو الذي تختاره وترضاه .
قرار أمريكي يثير الجدل..تصنيف الإخوان في السودان إرهابيين وتجاهل جرائم المليشيا
د. شمينا: تصنيف الإخوان محاولة أمريكية لصرف الأنظار عن أزماتها وتجاهل جرائم المليشيا  …





