وحدة السودان فوق الكراهية الحلقة الثانية: الإعلام ومسؤولية الكلمة
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

إن الإعلام في السودان اليوم يقف أمام مسؤولية جسيمة لا تقل خطورة عن مسؤولية الساسة والمفكرين وقادة المجتمع، فالكلمة التي تُقال عبر الصحف أو تُبث عبر القنوات أو تُنشر عبر المنصات الرقمية ليست مجرد خبر عابر أو رأي شخصي، بل هي أداة قادرة على تشكيل وعي الجماهير وتوجيه الرأي العام وصناعة المواقف التي قد تُسهم في بناء الوطن أو هدمه. ولأن السودان يعيش في مرحلة دقيقة تتكالب فيها الأزمات وتتصاعد فيها خطابات الكراهية والجهوية والعنصرية، فإن الإعلام يجد نفسه في قلب المعركة بين خطاب يوحد وخطاب يفرق، بين كلمة تُبني وكلمة تُهدم، بين رسالة تُضيء الطريق ورسالة تُغرق المجتمع في ظلام الفتن والانقسامات.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الإعلام يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين، فإذا تبنى خطاباً مسؤولاً ووطنياً جامعاً فإنه يصبح أداة للتنوير والتثقيف وبناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع، أما إذا انساق وراء الإثارة الرخيصة أو أجندات ضيقة فإنه يتحول إلى أداة لتأجيج الصراعات وزرع الفتن وتعميق الانقسامات. وفي السودان اليوم، حيث تتعدد المنابر الإعلامية وتتنوع وسائل التواصل، يصبح من الضروري أن يدرك الإعلاميون أن مسؤوليتهم لا تقتصر على نقل الأخبار بل تمتد إلى حماية وحدة الوطن وصون نسيجه الاجتماعي من التمزق.
إن الإعلام السوداني مطالب بأن يفضح خطاب الكراهية بكل أشكاله، وأن يُحذر من مخاطره على وحدة الصف الوطني، وأن يُسلط الضوء على النماذج الإيجابية التي تعكس قيم التسامح والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع. فبدلاًمن أن ينشغل الإعلام بتضخيم الخلافات وتكريس الانقسامات، عليه أن يُبرز قصص النجاح التي تؤكد أن السودان قادر على تجاوز محنه إذا ما اجتمع أبناؤه على كلمة سواء. إن الإعلام الذي يُعلي من شأن قيم المحبة والتسامح والعدل والمساواة هو الإعلام الذي يُسهم في بناء وطن قوي، أما الإعلام الذي يُغذي الكراهية ويُكرس الجهوية فهو إعلام يهدم ولا يبني.
ولكي يقوم الإعلام بدوره الوطني على الوجه الأكمل، فإنه يحتاج إلى رؤية واضحة تقوم على تبني خطاب جامع يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار، ويعمل على تعزيز ثقافة الحوار بدلاً من ثقافة الإقصاء، ويُشجع على النقد البناء الذي يهدف إلى الإصلاح لا إلى التشهير أو التحريض. كما أن الإعلام مطالب بأن يكون منصة للتوعية والتثقيف، وأن يُسهم في رفع مستوى الوعي الشعبي بخطورة الانجرار وراء خطاب الكراهية، وأن يُزرع في النفوس أن السودان وطن يتسع للجميع وأن المواطنة هي الأساس الذي يجمع أبناءه دون تمييز أو إقصاء.
إن الإعلام في السودان ليس مجرد ناقل للأحداث بل هو شريك في صناعة المستقبل، فإذا أحسن القيام بدوره فإنه يُسهم في بناء وطن موحد قوي قادر على مواجهة التحديات، وإذا تقاعس أو انساق وراء أجندات ضيقة فإنه يُسهم في تمزيق الوطن وإضعافه. ومن هنا فإن الإعلاميين السودانيين مطالبون بأن يرتقوا فوق المصالح الشخصية والجهوية وأن يُدركوا أن الكلمة أمانة وأن مسؤوليتهم أمام الوطن والتاريخ تقتضي أن يكونوا صوتاً للوحدة لا صوتاً للفرقة، وأن يكونوا منارة للتنوير لا أداة للتضليل، وأن يكونوا جسراً للتواصل لا حاجزاً للانقسام.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى إعلام وطني مسؤول يُدرك خطورة المرحلة ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، إعلام يُسهم في بناء ثقافة التسامح والتعايش، إعلام يُعزز قيم المواطنة والعدل والمساواة، إعلام يُفضح خطاب الكراهية ويحذر من مخاطره، إعلام يُبرز النماذج الإيجابية ويُشجع على الحوار، إعلام يُسهم في بناء وطن موحد قوي قادر على مواجهة التحديات. فالإعلام ليس مجرد مهنة بل هو رسالة، ورسالة الإعلام في السودان اليوم هي أن يكون صوت الوحدة فوق الكراهية، وأن يكون أداة للبناء لا للهدم، وأن يكون شريكاً في صناعة مستقبل أفضل للسودان وأبنائه.
بهذا تكون الحلقة الثانية قد وضعت الإعلام في موقعه الحقيقي كأداة للتنوير والتثقيف وبناء الرأي العام، وأكدت أن مسؤوليته في هذه المرحلة التاريخية لا تقل عن مسؤولية أي طرف آخر، بل ربما تكون هي الأهم لأنها تُشكل وعي الجماهير وتُحدد اتجاهات الرأي العام، وهو ما يجعل الإعلام في السودان اليوم أمام اختبار تاريخي حاسم: إما أن يكون صوتاً للوحدة فوق الكراهية، وإما أن يكون أداة للفرقة والانقسام.
meehad74@gmail.com
الشريف الهندي ينعي الشيخ الطيب الجد الشيخ ودبدر
بسم الله الرحمن الرحيم نعي أليم يقول الله تعالى : ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِي…






