ممنوع الاقتراب والتصوير!!
محجوب أبوالقاسم

لم تكن عبارة ممنوع الاقتراب والتصوير مجرد لافتة صامتة تعلق على أسوار المناطق العسكرية بل كانت فلسفة دولة ومنهج انضباط وخط دفاع أول يحمي أسرارها من التسرب ويصون أمنها القومي من العبث كنا نمر بجوار تلك المناطق فنقرأ التحذير وندرك بفطرة المواطن أن هناك خطوطا حمراء لا ينبغي تجاوزها مهما كانت دوافع الفضول أو المعرفة.
لكن المشهد اليوم تغير بصورة مقلقةففي زمن الفضاء المفتوح لم تعد الأسرار العسكرية حكرا على غرف القيادة بل أصبحت مادة سائبة على منصات التواصل يتداولها ناشطون ويخوض فيها بعض الصحفيين بل ويتسابقون لنشرها تحت لافتةالسبق الصحفي، لم يعد الحديث مقتصرا على التحليل العام أو القراءة السياسية بل تجاوز ذلك إلى تفاصيل دقيقة تحركات ميدانية وترتيبات إدارية وتنقلات وترقيات وحتى قرارات إعفاء وتعيين داخل المؤسسات العسكرية وهنا تكمن الخطورة
فحين تتحول المعلومة العسكرية إلى محتوى يصبح الميدان مكشوفا وتغدو الخطط عرضة للتعطيل بل وقد تفضي دون قصد إلى كمائن أو إخفاقات أو تأخير في الحسم.
إن أخطر ما في الأمر أن كثيرا من هذا النشر يتم بحسن نية لكنه يفتقر إلى الوعي بعواقبه في زمن تقاس فيه الحروب بالمعلومة قبل الرصاصة ، إن المقارنة مع تجارب الدول الكبرى تكشف حجم الفجوة فهناك لا تتداول تفاصيل الجيوش ولا تحركاتها على الملأ ولا تتحول المؤسسات العسكرية إلى مادة يومية للاستهلاك الإعلامي ليس لأن الصحافة ضعيفة أو غائبة بل لأنها تدرك حدودها وتعمل ضمن منظومة تحترم الأمن القومي كخط أحمر لا يساوم عليه.
المسؤولية هنا مزدوجة فمن جهة على المؤسسة العسكرية أن تحكم قبضتها على تدفق المعلومات وأن تضع ضوابط صارمة تمنع تسرب أي معلومةمهما بدت صغيرة سواء عبر القنوات الرسمية أو حتى في الأحاديث العابرة ، فالأمن لا يخترق دائما من الثغرات الكبرى بل كثيرا ما يتسلل عبر “الونسة”غير المحسوبة
ومن جهة أخرى تقع على عاتق الإعلام بمختلف منصاته مسؤولية أخلاقية ومهنية لا تقل أهمية، فحرية النشر لا تعني الفوضى والسبق الصحفي لا يبرر تعريض البلاد للخطر.
إن الإعلام الحقيقي هو الذي يعرف متى ينشر ومتى يصمت ومتى يقدم المصلحة الوطنية على بريق العناوين.
وفي هذا السياق تبرز مواقف مسؤولة تستحق الإشادة كما حدث في التعاطي من قبل الفريق اول ياسر العطا رئيس هئية الاركان مع قضية الزميلة الزميلة داليا إلياس حيث غلبت الحكمة من جميع الأطراف وتمت المعالجة بروح مهنية بعيدة عن التصعيد وهو نموذج يحتذى في إدارة الأزمات الإعلامية المرتبطة بالشأن العسكري،
غير أن الحل لا يكمن في المعالجات الفردية بل في بناء إطار مؤسسي واضح وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك جاد من اتحاد الصحفيين عبر تنظيم ورش عمل مشتركة تضم الإعلاميين والأجهزة الأمنية والعسكرية للخروج بميثاق شرف مهني جامع يحدد بوضوح ما الذي ينشر؟ وما الذي يجب أن يبقى خلف الجدران؟
كما أن الواقع الرقمي يفرض ضرورة سن تشريعات وقوانين تنظم الإعلام الإلكتروني ليس بهدف تكميم الأفواه بل لوضع ضوابط أخلاقية ومهنية تحمي المجتمع والدولة من فوضى النشر غير المسؤول.
إننا اليوم أمام اختبار حقيقي لمفهوم الإعلام الوطني فإما أن يكون الإعلام شريكا في حماية الدولة أو يتحول دون أن يدري إلى ثغرة تستغل ضدها وبين هذا وذاك يبقى الرهان على وعي المهنيين وعلى قدرتهم في التمييز بين ما يقال وما يجب أن يصان.
ولنا عودة
أقسمت اني عائد
لو ان مليون اسرة عائدة ساهمت بنظافة وتجفيف وتأمين قطعة أرض في مساحة منزل 400 متر مربع ، تص…





