‫الرئيسية‬ مقالات السودان: ميثاق الدم.. وأمانة الوحدة
مقالات - ‫‫‫‏‫39 دقيقة مضت‬

السودان: ميثاق الدم.. وأمانة الوحدة

شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

يواجه الوجدان السوداني اليوم اختباراً هو الأصعب في تاريخه الحديث؛ فبينما تئن البلاد تحت وطأة الجراح والنزوح، تطل برأسها فتنة “العصبية القبلية” والتمييز العنصري، كزفرة من زفرات الجاهلية التي ظننا أن نيران الوعي قد أخمدتها. إن ما نلحظه من تنامي مظاهر الاستقطاب العرقي في بعض الأوساط ليس مجرد ترف فكري أو تلاسن عابر، بل هو معول هدم ينخر في جسد الدولة، ويهدد ما تبقى من نسيج اجتماعي تعارف عليه السودانيون بـ “النفير” و”الفزعة” و”البيت الكبير”.

لقد جاء الإسلام ليخرج الناس من ضيق العصبية إلى سعة الأخوة الإنسانية، واضعاً قاعدة ذهبية حطمت أصنام التفاخر بالأنساب. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: 13).

إن “التعارف” في الآية الكريمة ليس مجرد معرفة الاسم والقبيلة، بل هو تمازج الأرواح وتكامل الأدوار لبناء الحضارة. وقد كان المصطفى ﷺ حازماً حين سمع نداء الجاهلية يرتفع، فقال قولته الشهيرة التي يجب أن تُحفر على أبواب مدننا: “دعوها فإنها منتنة”.

فأي نتن أشد من أن يُصنف الإنسان بناءً على لون بشرته أو لهجة لسانه، والله قد جعل التقوى هي المعيار الوحيد للتفاضل؟ إن المساواة في المنظور الإسلامي ليست شعاراً سياسياً، بل هي ركن ركين في العقيدة، حيث يقف الجميع في صف واحد خلف إمام واحد، لا فرق بين “ود عرب” و”ود نوبة” ولا “غرابي” إلا بالعمل الصالح.

إن التمييز القبلي هو الثغرة التي يتسلل منها الأعداء، وهو الوقود الذي يغذي نيران الحروب الأهلية. عندما يتحول الانتماء للقبيلة إلى صنم يُعبد من دون المصلحة الوطنية، تصبح “كلمة الحق” غائبة، ويحل محلها “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” بمفهومها الجاهلي لا النبوي.

الآثار السلبية لهذه الظاهرة لا تتوقف عند المشاحنات، بل تمتد لتضرب استقرار المجتمع وأمنه، وتعيق أي جهد للتنمية. فكيف يبني وطناً من لا يأمن جاره؟ وكيف ينهض اقتصاد يرى في “الآخر” منافساً عرقياً لا شريكاً في الأرض؟

إننا ونحن نرقب فجر السلام -بإذن الله- في مراحل ما بعد الحرب، يجب أن ندرك أن إعادة إعمار البيوت المهدمة أهون بكثير من إعادة بناء النفوس المنكسرة. إن الأولوية القصوى يجب أن تكون لـ “صناعة التعايش” لنشر ثقافة الاحترام المتبادل، فيجب أن نربي أجيالنا على أن التنوع الثقافي في السودان هو “ثروة” وليس “عورة”، وهو لوحة فسيفسائية لا تكتمل إلا بكل ألوانها. وتعزيز روح الإخاء الصادق، “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً”. علينا أن نستعيد قيم التراحم والتوادد التي جُبل عليها الإنسان السوداني البسيط في الريف والحضر. وتوحيد الصف وجمع الكلمة، إن معركة البناء تتطلب يداً واحدة. وكما قال الحكيم:تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً .. وإذا افترقن تكسرت آحادا

إن الحفاظ على وحدة السودان وتماسكه ليس مسؤولية القادة والسياسيين فحسب، بل هو أمانة في عنق كل فرد منا. إن كل كلمة عنصرية تُقال، وكل منشور يبث الفتنة في وسائل التواصل، هو رصاصة تُطلق في صدر الوطن.

فلنجعل من قيم العدل والتسامح منهاج حياة، ولنغلّب صوت العقل والدين على صراخ العواطف القبلية الزائفة. لنتذكر دائماً أننا في مركب واحد؛ فإما أن ننجو معاً بتمسكنا بـ “حبل الله”، وإما أن نغرق في لجة الصراعات التي لا تبقي ولا تذر.

السودان يسعنا جميعاً، والدم الذي جرى في عروق هذه الأرض واحد، فليكن عهدنا هو “وطن واحد.. شعب واحد.. مصير واحد”.

‫شاهد أيضًا‬

اقتصاد الانتباه…صناعة الفشل ونحن نبحث عن النجاح؟

ليس أخطر ما يفعله الإنسان أن يُخطئ… بل أن يضع طاقته في غير موضعها، وأن يُنفق انتباهه حيث ل…