هدي الرسالة المحمدية “حتى لا تنسيكم دنياكم دينكم”
حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

الحرب تزرع في القلوب جراحاً أعمق من جراح البندقية. الثأر يصبح ديناً، والانتقام يصبح عقيدة. وفي لحظة السلاح، ينسى الناس أن الغاية من النصر ليست القتل، بل الحياة. وأن الدولة لا تُبنى بالسيف وحده، بل بالقلب الذي يعفو. ولهذا جاءت الرسالة المحمدية لتقول: الدنيا مطية الآخرة، *”وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا” [القصص: 77]*. والإنسان قبل الغنيمة: قال صلى الله عليه وسلم: *”فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ” [متفق عليه]*. والعفو قبل السيف، *”فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ” [الشورى: 40]*.
العفو سلاح بناء الدول، لا هدمها. حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً، كان قادراً على إبادة قريش. قرابة عشرين عاماً من التعذيب والحصار منذ بدء الدعوة. قريش قتلت عمه حمزة ومثّلت بجثته. قتلت أصحابه. أخرجته من داره. وقف أهل مكة ينتظرون المذبحة. فقال لهم: “يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟” قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. بهذه الكلمة وُلدت دولة. لو انتقم، لكسب معركة وخسر أمة. لكنه عفا، فكسب القلوب، وبنى وطناً من أعداء الأمس.
التصافح يطفئ نار القبيلة. المدينة قبل الهجرة كانت غارقة في دماء الأوس والخزرج. حرب “بُعاث” أكلت الرجال مئة وعشرين سنة. كل بيت فيه ثأر. أول ما فعله النبي: آخى بين المهاجرين والأنصار، وآخى بين الأوس والخزرج. جعلهم يتقاسمون البيت والمال والدم. ثم كتب “صحيفة المدينة”: دستور يضم المسلم واليهودي والمشرك، على قاعدة: “لهم ما لنا وعليهم ما علينا”. ما قال “أنتم أعداء الأمس فلا أمان لكم”. صافحهم، وشاركهم، وحماهم. فصارت المدينة أول عاصمة لدولة المواطنة في التاريخ.
التسامح كان مع الضعيف قبل القوي. في فتح خيبر، جاءت امرأة يهودية بشاة مسمومة لتقتل النبي. أكل منها فعرف السم. قبضوا عليها. قالت: أردت قتلك. قال: “ما كان الله ليسلطك على ذلك”. وعفا عنها. لم يقتلها انتقاماً. لأن الرسالة ليست رد فعل، بل فعل تأسيس. العفو هنا ليس ضعفاً، بل إعلان أن الدولة الجديدة لا تقوم على الخوف، بل على الأمان.
هكذا بُنيت الدولة بالعفو. العفو يصنع الولاء، فالطلقاء الذين عفا عنهم صاروا قادة الفتوحات. خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان. من ألد الأعداء إلى حماة الرسالة. والتصافح يهدم القبلية، قال “دعوها فإنها منتنة”. وبالمؤاخاة والمواطنة انتهت مئة وعشرون سنة من حرب الأوس والخزرج في سنتين. والتسامح يوسع الدولة، نصارى نجران دخلوا مسجده، وصلى وهو يستقبل وفدهم. ضمن لهم كنائسهم وأموالهم. فدخلوا في ذمة دولة لا تُكره أحداً على دين.
نحن اليوم في “معركة وجود” كما يصفها البعض. لكن السؤال: وجود ماذا؟ إن كان وجوداً بالسلاح فقط، فسينتهي حين تصمت المدافع. وإن كان وجوداً بالعدل والعفو، فسيبقى حتى لو هُدمت المدن. *”فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ” [الشورى: 40]*. الانتقام يرضي النفس ساعة. والعفو يبني وطناً لألف سنة.
عشرون عاماً قضى النبي صلى الله عليه وسلم منها قرابة نصفها وهو بعيد عن الديار وقلبه الطاهر صلى الله عليه وسلم يهفو للديار ولكنه عندما تم له الفتح من الله لم يتشف ولم ينتقم ولم يطالب بالثأر لقتلة عمه وأصحابه بل بنى مبدأ الحياة وهو السلام وكان قد بشره الله بالنصر ولم يغتر *”إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا” [الفتح: 1-2]*. انظروا إلى جمال المعنى والمبنى في الآية الكريمة فمن المتخيل لأي إنسان أن يكون بعد الفتح الانتقام والسيطرة وامتلاك الأرض وإعمارها ولكن كان النصر ببناء الإنسان الذي هو محور الحياة وتأسيس دولة الإنسانية: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. وقد يقول بعض المتنطعين ذاك كان نبياً فما لنا وذلك ونقول خسئتم وخسر بيعكم ألم يقل الله *”لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا” [الأحزاب: 21]*. فالتأسي والاقتداء بهدي سيدنا محمد هو الطريق للنجاة في الدارين وعقيدة واتباع نهجه صلى الله عليه وسلم من تمام الإيمان.
اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الجمعة /24 /أبريل /2026.
اقتصاد الانتباه…صناعة الفشل ونحن نبحث عن النجاح؟
ليس أخطر ما يفعله الإنسان أن يُخطئ… بل أن يضع طاقته في غير موضعها، وأن يُنفق انتباهه حيث ل…





