اقتصاد الانتباه…صناعة الفشل ونحن نبحث عن النجاح؟
أصل_القضية من سلسلة الجسر والموردمحمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليس أخطر ما يفعله الإنسان أن يُخطئ… بل أن يضع طاقته في غير موضعها، وأن يُنفق انتباهه حيث لا عائد.
في زمنٍ لم تعد فيه الموارد المادية وحدها هي محل الصراع… برز موردٌ أكثر حساسية وأشد ندرة: الانتباه.
> الانتباه ليس مجرد تركيز عابر… بل هو آلية توجيه الحياة. هو الذي يحدد: أين تُستثمر طاقتك؟ ماذا يُبنى؟ وما الذي يُترك ليتآكل بصمت.
لكن في واقعنا—بصورة فردية وجماعية—نعيش اختلالًا عميقًا في توزيع هذا المورد:
نراقب الآخرين أكثر مما نبني أنفسنا،
نقارن أكثر مما نُنجز،
وننصرف إلى الخارج… بينما مشروعنا الحقيقي في الداخل.
وهنا تبدأ القصة.
أولاً: من المتابعة إلى الاستنزاف (كيف نؤجل أنفسنا دون أن نشعر؟)
المتابعة ليست خطأ… لكنها تتحول إلى استنزاف حين تفقد وظيفتها (التعلّم) وتصبح بديلًا عن الفعل.
○ نبدأ بفضول…
○ ننتقل إلى مقارنة…
○ ننتهي إلى تعطيل.
وفي هذه اللحظة، لا نكون فقط قد أضعنا وقتًا… بل أعدنا توجيه مركز حياتنا من الداخل إلى الخارج.
كل انتباه تمنحه لغيرك على حساب نفسك… هو تأجيل صامت لمشروعك.
ثانيًا: مفارقة النجاح… حين يتحول الإعجاب إلى هدم
الناس في أصلها تحب النجاح… لكنها أحيانًا لا تتعامل معه بوصفه نموذجًا يُحتذى، بل بوصفه معيارًا مُقلقًا يجب تخفيضه.
ليس لأن النجاح مرفوض…
بل لأن بلوغه لم يتحقق.
وهنا تعمل آلية نفسية معروفة:
بدل أن يرتقي الإنسان إلى النجاح… يُحاول إنزال النجاح إلى مستواه.
في الوجدان الشعبي السوداني تُختصر هذه الحالة ببلاغة:
• “الما بتلحقو… جدعو.”
• “الكديسة لمن لقت اللبن بعيد… قالت هو ذاتو ولا سمح.”
ليست مجرد أمثال… بل استراتيجية نفسية لتخفيف فجوة العجز.
حين نعجز عن الوصول… نُعيد تعريف القيمة.
ثالثًا: الحقيقة في السياق السوداني… بين المرارة والإنكار
في مقابل هذا، تتشكل طريقة خاصة في التعامل مع الحقيقة:
نقول: “الحقيقة مُرّة”
ونمارس: “الشينة منكورة”
وهنا المفارقة:
نُدرك قسوة الحقيقة… لكننا نختار الهروب منها.
وفي حال تحليل ذلك نصل الى :
١. الحماية النفسية الجمعية:
تحت ضغط الأزمات، يميل المجتمع إلى تخفيف صدمة الواقع عبر الإنكار الجزئي.
٢. إعادة تعريف القبح:
بدل معالجة الخلل… يتم تلطيفه لغويًا واجتماعيًا حتى يبدو أقل حدة.
٣. أولوية التماسك الاجتماعي على الصراحة:
تُفضَّل المجاملة على المواجهة، حتى لو كان الثمن تأجيل الإصلاح.
لكن النتيجة النهائية واحدة:
إنكار الخلل لا يُلغيه… بل يُرسّخه.
رابعًا: نموذج الشهادة السودانية… مرآة مصغّرة لبنية أكبر
ما يتداول حول امتحانات الشهادة السودانية—من البخرات، وفك المراقبة، والاعتماد على الاسبوتنق—ليس مجرد انحراف تعليمي… بل انعكاس دقيق لنفس البنية الذهنية.
هنا نرى:
○ طالبًا يبحث عن “التوقع” بدل “الفهم”
○ بيئة تتسامح مع “التسهيل” بدل “الاستحقاق”
○ سوقًا يستثمر في هذا الطلب… ويبيع وهم الاختصار
ماذا يعني ذلك؟
تم تحويل الانتباه من بناء المعرفة إلى توقع الأسئلة.
ومن مواجهة الحقيقة (أن التعلم يحتاج جهدًا)… إلى صناعة بدائل مريحة.
وهنا تتكرر القاعدة:
الهروب من الجهد… يُنتج وهم السيطرة.
لكن الوهم لا يبني قدرة… بل يؤجل لحظة الانكشاف.
خامسًا: حين يتحول الضعف إلى سوق (البعد الاقتصادي)
أي فراغ في الوعي… يتحول إلى فرصة في السوق.
حين يطلب الناس الاختصار…
يظهر من يبيعه.
○ منصات تروّج للتوقعات
○ شبكات تغذي ثقافة “النجاح السريع”
○ فاعلون يستثمرون في القلق لا في المعرفة
وهنا يصبح الجهل—أو سوء توجيه الانتباه—موردًا اقتصاديًا.
المشكلة لم تعد في من يجهل… بل في من يستثمر في جهله.
سادسًا: من التعليم إلى الدولة (البعد السياسي)
إذا وسّعنا زاوية النظر… سنجد أن ما يحدث في التعليم ليس حالة منفصلة، بل امتداد لبنية أعمق في الدولة.
الدولة التي لا تضع الاستحقاق معيارًا…
ولا تحمي النزاهة…
ولا تبني نظامًا يحاسب ويكافئ بعدل…
هي دولة تُعيد إنتاج نفس المنطق:
○ اختصار الطريق بدل بنائه
○ البحث عن النتائج بدل تأسيسها
○ إدارة الصورة بدل معالجة الجوهر
في هذه الحالة، لا يصبح التعليم مشروع بناء…
بل يصبح انعكاسًا لثقافة سياسية واقتصادية كاملة.
حين تضعف معايير الاستحقاق في الدولة… يضعف الإيمان بالجهد في المجتمع.
وهنا تتكامل الدائرة:
○ طالب يبحث عن الاسبوتنق
○ مواطن يبحث عن الوساطة
○ مؤسسات تُدار بمنطق الالتفاف لا الكفاءة
وكل ذلك نتيجة واحدة:
> انتباه مُهدَر… وبناء مؤجَّل.
سابعًا: إعادة تعريف المعركة (في منطق الجسر والمورد)
في فلسفة الجسر والمورد… لا يُقاس التقدم بما نعرفه عن الآخرين… بل بمدى سيطرتنا على مواردنا:
○ الزمن (الإطار)
○ الانتباه (الموجّه)
○ الطاقة (الوقود)
إذا اختلّ الانتباه… اختلّ كل شيء.
لذلك:
الناس ليسوا معركتك…
وتأجيلك لنفسك—فردًا ومجتمعًا—هو المعركة الحقيقية.
ثامنًا: نقطة التحول (من الاستنزاف إلى التأسيس)
التحول لا يبدأ من الخارج… بل من قرار داخلي:
● أن تجعل نفسك المشروع الأول
● أن تواجه الحقيقة كما هي… لا كما تُريحك
● أن تعيد توجيه انتباهك من المقارنة إلى البناء
وعلى مستوى الدولة:
○ إعادة الاعتبار لمعيار الاستحقاق
○ حماية نزاهة التعليم
○ قطع الطريق أمام اقتصاد الوهم
#أصل_القضية: حيث يُصنع العبور
في عالمٍ مزدحم بالضجيج… لا ينجو الأقوى، بل الأكثر وعيًا بموارده.
ولا ينجح الأسرع، بل الأكثر صدقًا مع نفسه.
في منطق الجسر والمورد:
أنت لا تعبر إلى مستقبلك بما تُخفيه…
بل بما تواجهه، وتُعيد بناءه بوعي.
انشغالك بالناس استنزاف…
وانشغالك بنفسك تأسيس…
وبين الاستنزاف والتأسيس… تُكتب حياة الأفراد… وتُبنى الدول.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
من قصص الكرامة :الري والحفريات.. هل من عودة لزمن الثبات؟
الذين يتحدثون عن الميدان الآخر المنتظر لملحمة العزة والكرامة، ومَن أسعدهم إعلان السيد رئي…





