‫الرئيسية‬ مقالات تنمية القاع: المجتمعات المحلية كرافعة لنهضة الثروة الحيوانية ومكافحة الفقر
مقالات - ‫‫‫‏‫58 دقيقة مضت‬

تنمية القاع: المجتمعات المحلية كرافعة لنهضة الثروة الحيوانية ومكافحة الفقر

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

لم تعد مكافحة الفقر مجرد برامج إغاثية مؤقتة تسد رمق المحتاجين، بل تحولت في الفكر التنموي الحديث إلى استراتيجية هيكلية تهدف إلى تحويل المجتمعات الرعوية والريفية من مربعات الاحتياج والاستهلاك إلى منصات الإنتاج والتصدير. هذا التحول الجوهري تجسد بوضوح في الحراك الدولي الرفيع الذي شهدته العاصمة الصينية بكين مؤخراً خلال أعمال المنتدى العالمي للحد من الفقر والتنمية واجتماعات الشراكة العالمية (GPPAD) لعام 2026. وتكتسب هذه النقاشات أهمية استثنائية للدول الأفريقية، ولا سيما السودان، التي تمتلك ثروات حيوانية وسمكية هائلة، لكنها لا تزال تواجه تحديات مركبة تعيق الاستفادة القصوى من هذه الموارد.

إن الرسالة الأساسية التي يجب التوقف عندها وقراءتها بعمق، هي أن الفقر لا يمكن دحره عبر الخطط الحكومية الفوقية أو الاستثمارات المعزولة في البنية التحتية الصلبة فحسب. إن حجر الزاوية لأي تنمية مستدامة وحقيقية يكمن في “التعبئة الاجتماعية والمشاركة المجتمعية”. لقد أثبتت التجارب الدولية والإقليمية المقارنة أن المشاريع التنموية التي تُصمم في الغرف المغلقة دون إشراك حقيقي للمجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ والمساءلة، غالباً ما تؤول إلى الفشل بمجرد انتهاء التمويل الخارجي. في المقابل، عندما تشعر المجتمعات المحلية بـ “الملكية” تجاه المشروعات، فإنها تصبح خط الدفاع الأول عن استمراريتها ونجاحها.

وفي سياق أزمات المناخ، والنزاعات حول الموارد الطبيعية، والبطالة المتفشية، يبرز قطاع الثروة الحيوانية والسمكية كطوق نجاة للاقتصاديات النامية. إن تمكين صغار المنتجين والرعاة، وإدماجهم في سلاسل القيمة الحديثة، هو المسار العملي لتحويل التحديات إلى فرص. وعندما ننظر إلى النموذج الصيني الملهم في مكافحة الفقر، نجد أنه لم يرتكز فقط على تشييد الطرق والمصانع، بل ركز بالأساس على تعبئة المجتمعات الريفية، وبناء قدرات الأفراد، وربط صغار المنتجين بالأسواق المحلية والدولية. هذا النموذج يمثل بوصلة هامة للدول النامية الساعية لإحداث اختراق تنموي.

من هنا، تكتسب المبادرات الطموحة مثل مشروع “مدن الإنتاج الحيواني” في الولايات المختلفة أهمية بالغة. فهذه المدن لا ينبغي النظر إليها كحواضن اقتصادية واستثمارية لزيادة الصادرات فحسب، بل كأدوات “لتحول اجتماعي شامل”. إنها مشاريع مصممة لتمكين النساء والشباب، وتوسيع فرص العمل، وتوفير التدريب وبناء القدرات. علاوة على ذلك، فإن للتعبئة الاجتماعية أبعاداً أمنية وسياسية غير مباشرة؛ إذ إن خلق فرص اقتصادية حقيقية للشباب والنساء في المناطق الريفية يسهم بشكل فعال في تقليل حدة النزاعات التقليدية حول الموارد الطبيعية من ماء وكلأ، ويعزز التماسك الاجتماعي والسلام والاستقرار في المناطق التي أنهكتها النزاعات.

إن انضمام الدول والتعاون عبر منصات دولية مثل لجنة الشراكة العالمية للحد من الفقر والتنمية وخطة عملها للفترة (2026–2028)، يفتح آفاقاً واسعة لنقل التكنولوجيا وبناء الشراكات الذكية وتدريب الكوادر الوطنية. لكن يظل الرهان الحقيقي معقوداً على الداخل؛ فالقضاء على الفقر وتطوير قطاع الثروة الحيوانية هو مسؤولية تضامنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين السياسات الحكومية، والدعم الدولي، والفاعلية المجتمعية. إن المحرك الأساسي لأي تحول تنموي حقيقي هو الإنسان في قريته وفراغه الرعوي، ومتى ما امتلك هذا الإنسان أدوات الإنتاج والمعرفة، أصبحت النهضة الاقتصادية واقعاً حتمياً لا مفر منه.

‫شاهد أيضًا‬

يوم علاجي يخفف معاناة نازحي غرب كردفان بالكلاكلة

تواصلت بولاية الخرطوم الأيام العلاجية المخصصة لمواطني ولاية غرب كردفان، حيث ننظم يوم علاجي…