لماذا تفشل كل مفاوضات حل الأزمة السودانية؟ من يقف وراء تعثرها؟ ومن المستفيد من استمرار الحرب؟
حديث الساعة الهام سالم منصور

منذ اندلاع الأزمة السودانية دخلت البلاد في سلسلة طويلة من المبادرات والوساطات والمؤتمرات التي رفعت شعارات السلام ووقف الحرب، إلا أن الواقع ظل يشير إلى استمرار القتال واتساع دائرة المعاناة الإنسانية. وبينما يترقب المواطن السوداني أي بارقة أمل تنهي هذه المأساة، تتكرر الأسئلة ذاتها: لماذا تفشل المفاوضات؟ ومن الذي يعرقل الوصول إلى تسوية سياسية؟ ومن المستفيد من بقاء السودان في دائرة الصراع؟
إن الأزمة السودانية ليست مجرد خلاف عسكري أو سياسي عابر، بل هي تراكمات ممتدة لعقود من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ظلت تتفاقم دون معالجة جذرية. لذلك فإن أي مفاوضات لا تنطلق من فهم عميق لجذور الأزمة محكوم عليها بالتعثر أو الفشل.
أول أسباب فشل المفاوضات يتمثل في غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة. فالحروب الطويلة تخلق جداراً من الشكوك والاتهامات المتبادلة، وتجعل كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصماً يسعى لتحقيق مكاسب على حسابه. وفي ظل هذا المناخ تصبح طاولة التفاوض ساحة جديدة للصراع السياسي والإعلامي بدلاً من أن تكون منصة للحلول.
أما السبب الثاني فهو الرهان المستمر على الحسم العسكري. فعندما يعتقد أي طرف أنه قادر على تحقيق انتصار ميداني، تتراجع رغبته في تقديم التنازلات السياسية. ولذلك كثيراً ما شهدنا جولات تفاوض تبدأ وسط أجواء إيجابية ثم تنهار مع تغير المعطيات العسكرية على الأرض. فالبندقية في كثير من الأحيان كانت تتقدم على لغة الحوار.
ومن العوامل المهمة كذلك تعدد الوسطاء والمنابر التفاوضية. فقد شهدت الأزمة السودانية مبادرات إقليمية ودولية متعددة، بعضها يحمل رؤى مختلفة وأجندات متباينة، الأمر الذي أدى إلى تشتيت الجهود وإضعاف فرص الوصول إلى موقف موحد يدفع الأطراف نحو تسوية شاملة ومستدامة.
كما أن التدخلات الخارجية تظل من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السوداني. فالسودان بحكم موقعه الجغرافي وثرواته وعمقه الإقليمي يمثل أهمية استراتيجية للعديد من القوى الدولية والإقليمية. ولذلك فإن بعض الأطراف الخارجية تنظر إلى الأزمة من زاوية مصالحها الخاصة، وليس بالضرورة من زاوية مصلحة الشعب السوداني. وعندما تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية داخل أي دولة تصبح عملية الوصول إلى السلام أكثر تعقيداً.
ومن الأسباب الجوهرية أيضاً غياب المشروع الوطني الجامع. فالسودان عانى طويلاً من حالة الاستقطاب السياسي والجهوي والقبلي، الأمر الذي أضعف مفهوم الدولة الوطنية الجامعة. وعندما تغيب الرؤية المشتركة لمستقبل البلاد يصبح الاتفاق على تفاصيل التسوية السياسية أكثر صعوبة.
السؤال الأهم هو: من المستفيد من استمرار الحرب؟
الحقيقة أن أول المستفيدين هم تجار الأزمات الذين ازدهرت مصالحهم في ظل الفوضى. فالحروب تخلق اقتصاداً موازياً يقوم على المضاربة والاحتكار والتهريب والاستفادة من غياب الرقابة وضعف مؤسسات الدولة. وهناك من يحقق مكاسب مالية ضخمة كلما طال أمد الصراع.
كما تستفيد بعض القوى السياسية التي ترى في استمرار الأزمة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها أو تحسين مواقعها التفاوضية. فكلما تعقد المشهد ازدادت فرص المناورة السياسية لدى بعض الأطراف التي تبحث عن مكاسب مستقبلية.
ولا يمكن إغفال أن بعض الجهات الخارجية قد تجد في إضعاف السودان فرصة لتعزيز نفوذها السياسي أو الاقتصادي أو الأمني في المنطقة. فالدول القوية غالباً ما تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية، وقد تتعامل مع الأزمات الإقليمية وفق حسابات تتجاوز حدود الدول المتأثرة مباشرة بالصراع.
لكن رغم كل هؤلاء المستفيدين، فإن الخاسر الأكبر يظل هو المواطن السوداني البسيط. ذلك المواطن الذي فقد الأمن والاستقرار وفرص العمل والتعليم والعلاج. الخاسر هي الأسرة التي شردتها الحرب، والمزارع الذي فقد أرضه، والتاجر الذي فقد مصدر رزقه، والطالب الذي تعطلت مسيرته التعليمية، والمريض الذي فقد حقه في العلاج.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب مهما طالت لا تنتهي إلا بالحوار والتسويات السياسية. فلا يوجد منتصر حقيقي في حرب تستنزف الوطن وتدمر مقدراته. والانتصار الحقيقي هو انتصار السودان على أزمته، وانتصار إرادة السلام على صوت السلاح.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من جميع القوى الوطنية، السياسية والمجتمعية والأهلية، أن تضع مصلحة السودان فوق كل الاعتبارات الأخرى. كما تتطلب بناء مشروع وطني جديد يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية واحترام التنوع وتحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم.
الخلاصة
إن فشل المفاوضات لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة معقدة من العوامل السياسية والعسكرية والإقليمية والدولية. غير أن استمرار الحرب لن يحقق استقراراً دائماً لأي طرف، بينما يظل السلام العادل والشامل هو الخيار الوحيد القادر على حماية السودان والحفاظ على وحدته ومستقبله.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، بل يحتاج إلى كلمة سواء تجمع أبناءه حول مشروع وطني جامع، يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن أمنه، وللوطن مكانته التي يستحقها بين الأمم. فالأوطان تُبنى بالتوافق والحكمة، لا بالصراع والاحتراب، والتاريخ لا يذكر من أشعلوا الفتن بقدر ما يذكر من صنعوا السلام وأنقذوا الأوطان من الانهيار.
السبت ٦يونيو٢٠٢٦
العلمانية والمواطنة المتساوية في السودان قراءة نقدية لمقال خالد كودي
كتب خالد كودي مقالاً مطولاً انتهى فيه إلى أن العلمانية ليست خياراً سياسياً من بين خيارات م…





