السودان… معنى أن نجلس قليلًا قبل أن نهرب من أنفسنا؟
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في السودان اليوم، لا ينقصنا الكلام.
بل ربما لم تعرف هذه البلاد في تاريخها كل هذا الضجيج كما تعرفه الآن.
ضجيج السياسة.
وضجيج الحرب.
وضجيج المنصات.
وضجيج التحليلات.
وضجيج الاتهامات.
وضجيج التبريرات.
وضجيج ذات السلاسل
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك:
هل ما زلنا نعرف كيف نصمت؟
ليس الصمت الذي يولد من الخوف.
ولا الصمت الذي يصنعه العجز.
ولا الصمت الذي يسبق الاستسلام.
بل ذلك الصمت الذي يمنح العقل فرصة للتفكير، ويمنح القلب فرصة للفهم، ويمنح الإنسان فرصة للعودة إلى نفسه قبل أن يضيع وسط أصوات الآخرين.
في وقتٍ ما، كان السوداني يعيش بين الناس دون أن يفقد عالمه الداخلي.
كان الطريق بين البيت والعمل مساحة للتأمل.
وكان الطريق بين البيت والمدرسة فرصة لمراجعة الذات.
وكانت ساعات المساء الطويلة تمنح الإنسان وقتًا للتفكير أكثر من وقت الكلام.
لم يكن الصمت فراغًا.
بل كان مساحة امتلاء.
وكان التأمل جزءًا من الحياة اليومية دون أن يسميه أحد “تأملًا”.
أتذكر حديثًا دار بيني وبين ” مسنة” سودانية أمية لا تقرأ ولا تكتب.
سألتها يومًا:
كيف تعرفين أن الطعام قد نضج؟
فقالت ببساطة الحكمة الشعبية:
“أقرأ يس سبع مرات… تكون الحلة نجضت.”
قد يختلف الناس حول الحساب الزمني لهذه الطريقة، لكن ما لفت انتباهي ليس الزمن.
بل الفكرة.
كانت تمتلك ساعة داخلية.
إحساسًا بالوقت.
وقدرة على الانتظار.
أما نحن اليوم فقد صرنا نحمل ساعات ذكية، لكننا فقدنا الإحساس بالزمن.
صرنا ننتظر التطبيقات لتخبرنا بكل شيء.
موعد النوم ، الاستيقاظ ، الصلاة ، الحركة.
وموعد التفكير أحيانًا.
حتى أصبح الإنسان المعاصر أكثر اتصالًا بالعالم وأقل اتصالًا بنفسه.
لقد فقدنا شيئًا عظيمًا دون أن نشعر.
فقدنا القدرة على الجلوس مع أنفسنا.
في الماضي كان الصمت صمتًا.
أما اليوم فقد أصبح الصمت نفسه مليئًا بالضجيج.
نجلس وحدنا لكننا لسنا وحدنا.
الهاتف يرن ، الإشعارات تتدفق ، التطبيقات تتنافس ، الخوارزميات تصرخ والأخبار تتلاحق.
حتى عندما نظن أننا صامتون، نكون في الحقيقة غارقين في بحرٍ من الأصوات.
ولهذا أصبح الإنسان الحديث يخاف من الفراغ.
يخاف من الجلوس دون شاشة.
ويخاف من لحظة لا يحدث فيها شيء.
ويخاف من سؤال قد يطرحه على نفسه.
بل وصل الأمر إلى درجة أن المجتمع نفسه أصبح يشك في الصامت.
مالك مختفي؟ ، وينك؟ ، ما رديت؟ ، ما علقت؟ ، ما شاركت؟
وكأن الإنسان أصبح ملزمًا بأن يثبت حضوره باستمرار حتى لا يُتهم بالغياب.
وعبر رؤية الجسر والمورد، نطرح مفهومًا نرى أنه يستحق النقاش والتطوير:
هندسة الصمت
هندسة الصمت هي إعادة بناء المسافة بين الحدث ورد الفعل، حتى يستعيد العقل حقه في التفكير قبل أن تستولي عليه العاطفة أو الخوارزمية.
ليس المقصود بها الانسحاب من الواقع.
ولا الهروب من المسؤولية.
ولا تجاهل الأحداث.
بل المقصود بها تصميم مساحات واعية للتفكير الحر بعيدًا عن ضجيج اللحظة.
هندسة الصمت هي أن تمنح العقل فرصة للعمل قبل أن تدفعه الخوارزميات إلى رد الفعل.
وأن تمنح الأسئلة فرصة للظهور قبل أن تفرض عليك الإجابات الجاهزة.
وأن تمنح الوطن فرصة لأن يُفكر فيه المواطن، لا أن يكتفي بتلقي ما يُقال له عنه.
إن أخطر ما تفعله الضوضاء السياسية والإعلامية أنها لا تمنع التفكير.
بل تمنع الإنسان من ملاحظة أنه توقف عن التفكير.
وهنا نصل إلى سؤال السودان الكبير…
في الأيام الأخيرة ظهر مشهد يستحق التأمل.
فجأة أصبح “حضن الوطن” شعارًا متكررًا.
وفجأة أصبحت “مصلحة الوطن” هي اللغة المفضلة لدى بعض المنشقين عن قوات الدعم السريع، وبعض المنتمين إلى مشروع تأسيس جناحها السياسي.
قد يكون ذلك تحولًا حقيقيًا.
وقد يكون مراجعة صادقة.
وقد يكون إدراكًا متأخرًا لحجم الكارثة.
وقد يكون شيئًا آخر.
لكن قبل أن نندفع نحو الإجابات، ربما نحتاج أولًا إلى هندسة الصمت.
أن نتوقف قليلًا.
أن نفكر.
أن نطرح الأسئلة.
ماذا حدث؟
ولماذا حدث الآن؟
ومن المستفيد؟
وما الضمانات؟
وما الذي تغيّر بالفعل؟
فالسياسة ليست فن سماع الشعارات.
بل فن قراءة ما وراء الشعارات.
المواطن السوداني ليس ساذجًا.
وليس فاقدًا للذاكرة.
وليس مستعدًا لأن ينسى آلامه بجملة عابرة أو خطاب مؤثر.
إن الشعوب قد تسامح.
وقد تعفو ، وقد تتجاوز.
لكنها لا تفعل ذلك إلا حين تشعر أن الحقيقة حاضرة، وأن العدالة ممكنة، وأن المستقبل أفضل من الماضي.
ولذلك فإن بناء السلام الحقيقي لا يبدأ بإعادة إنتاج الشعارات.
بل يبدأ بإعادة بناء الثقة.
والثقة لا تُصنع بالكلمات وحدها.
ولعل التاريخ السوداني نفسه يقدم لنا درسًا مهمًا.
عندما واجه المك نمر واحدة من أعقد لحظات التاريخ السوداني، لم يكن رد فعله مجرد اندفاع عاطفي.
فالتاريخ لا يذكر لنا غضبه فقط، بل يذكر لنا أنه لم يتحرك في اللحظة نفسها التي وقع فيها الحدث، بل سمح للزمن أن ينضج قراره
بل سبق الفعل تفكير.
وسبق القرار تأمل.
وسبقت الحركة لحظة صمت.
فالصمت في التاريخ كثيرًا ما كان مقدمة للفعل الكبير.
وليس نقيضًا له.
لهذا فإن دعوتنا اليوم ليست إلى مزيد من الكلام.
بل إلى شيء من الصمت.
صمت يفكر ، يسأل ، يراجع.
صمت يعيد ترتيب الأولويات.
صمت يضع الوطن فوق الانفعالات.
وفوق الأحقاد.
وفوق الحسابات الضيقة.
فربما كانت المشكلة الكبرى في السودان أننا أصبحنا نسمع الجميع…
إلا أنفسنا.
وربما كان الطريق إلى المستقبل لا يبدأ بخطاب جديد.
بل بلحظة صمت جديدة.
لحظة نستعيد فيها حقنا في التفكير قبل أن نقرر.
وحقنا في السؤال قبل أن نصدق.
وحقنا في الوطن قبل أن نتخاصم حوله.
فليست كل الأصوات التي تملأ الفضاء دليل حياة، فبعض الضجيج ليس إلا طريقة حديثة للهروب من مواجهة الحقيقة وتسمية الأشياء بمسمياتها
وهنا بالضبط #أصل_القضية
السودان من السفوح إلى القمم.. ثروات عملاقة وخطة استراتيجية لصناعة المستقبل
حين يتحدث البعض عن الأزمة الاقتصادية في السودان، فإنهم ينظرون إلى الواقع الراهن بما يحمله …





