قطار الأمل.. نداء الوطن وعودة الروح من وادي النيل
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
لا شيء يعادل دفء العودة إلى حضن الوطن بعد غياب، ولا توجد لحظة أكثر تأثيراً في الوجدان من تلك التي يطأ فيها المواطن أرض بلاده عائداً بملء إرادته، تسبقه أحلامه وتحدوه آماله في غدٍ أفضل. وفي ظل الظروف والتحديات التي مرّت بها البلاد، تبرز المبادرات الوطنية الصادقة لتُعبد طريق العودة، ولعل أبرزها اليوم هو الجهد الحكومي والمجتمعي المتكامل لتسهيل العودة الطوعية للمواطنين من دول المهجر، وعلى رأسها الجارة مصر، التي مثّلت الملاذ الآمن والوجهة الأكبر للسودانيين.
إن المتأمل في حركة العودة الطوعية يدرك تماماً أن المسار المصري ليس مجرد خط سير عادي، بل هو “شريان الأمل” الرئيسي نظراً للكثافة العددية الكبيرة للمواطنين هناك. وقد جاءت الترتيبات الأخيرة لـ “لجنة الأمل” بشأن انطلاق الرحلة الثانية عبر مسارات القطارات والبواخر من محطة رمسيس إلى محطة السد العالي ومنها إلى الميناء، لتؤكد أن الدولة لا تسعى فقط لإعادة أبنائها، بل لإعادتهم بكرامة وأمان وراحة.
قد ينظر البعض إلى الضوابط التنظيمية التي أُعلنت مؤخراً – مثل تحديد وزن الأمتعة بـ 30 كيلوجراماً، والالتزام بتسليم العفش قبل يوم من السفر، وتخصيص مقاعد الأطفال – على أنها مجرد قيود وإجراءات صارمة. ولكن، من وجهة نظر موضوعية، هذه التوجيهات هي في صميم “احترام المسافر”. ففي رحلات جماعية بهذا الحجم، يصبح التنظيم الدقيق هو الضمانة الوحيدة لمنع التكدس، وتفادي الفوضى، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة. إن استلام تذكرة مختومة مسبقاً والدخول إلى الرصيف بحقيبة يد خفيفة، يعكس تخطيطاً احترافياً يسعى لتجنيب العائلات مشقة حمل الأثقال في محطات السفر، ويحوّل الرحلة من عبء بدني ونفسي إلى انتقال سلس وآمن نحو الديار.
لم تكن هذه الجهود التنظيمية على الأرض بمعزل عن الإرادة السياسية العليا؛ فالاجتماع الأخير الذي ترأسه السيد رئيس الوزراء، والذي ضم قطاعات العدل، والطاقة، والموارد البشرية، والرعاية الاجتماعية، والعون الإنساني، يوجه رسالة واضحة مفادها أن ملف العودة الطوعية يتصدر أولويات الحكومة الحالية.
وما يبعث على التفاؤل والارتياح هو هذا التناغم غير المسبوق بين أجهزة الدولة الرسمية والقطاع الخاص، ممثلاً في اتحاد أصحاب العمل وشركات الطيران الوطنية. فرغم أن الاجتماع تطرق إلى جهود استرجاع العالقين في دول الخليج أو أولئك الذين تتطلب ظروفهم رحلات جوية من أوغندا وليبيا، إلا أن النموذج المعمول به في مسار العودة من مصر (القطارات والبواخر) يبقى هو حجر الزاوية والنموذج العملي الأبرز الذي يُحتذى به في تضافر الجهود لتذليل العقبات اللوجستية وتوفير خيارات سفر آمنة ومجانية.
ومن أهم المكاسب التي يجب الإشادة بها في هذا الحراك الوطني، هو التوجه نحو رقمنة ومأسسة هذه العودة. إن الإعلان عن الشروع في إطلاق موقع إلكتروني جديد لاستقبال طلبات العودة الطوعية هو خطوة استراتيجية بالغة الأهمية. ففي ظل الأعداد الكبيرة للمواطنين الراغبين في العودة، وخاصة من جمهورية مصر العربية، تصبح مسألة “الأولوية” أمراً حساساً. هذا النظام الإلكتروني يضمن تحقيق أعلى درجات الشفافية والعدالة، بحيث يتم تصنيف المحتاجين للعودة وفقاً لظروفهم الإنسانية، بعيداً عن أي عشوائية أو محسوبية.
ختاماً.. بناء الوطن يبدأ بعودة أبنائه، وإن نجاح مسارات العودة الطوعية، وتحديداً المسار المصري الذي يشهد زخماً كبيراً عبر القطارات والبواخر، ليس مجرد عملية نقل المسافرين، بل هو مشروع وطني لإعادة لم الشمل وبناء الثقة بين المواطن ودولته. إن تكاتف الحكومة، بمختلف وزاراتها، مع المبادرات المجتمعية ولجان الأمل، يثبت أن الأزمات يمكن أن تخلق فرصاً للتلاحم.
نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لاستيعاب طاقات أبنائنا العائدين، فكل قطار ينطلق من “رمسيس” وكل باخرة تمخر عباب النيل باتجاه الجنوب، لا تحمل فقط أمتعة وحقائب، بل تحمل عقولاً وسواعد اشتاقت لتراب هذا الوطن، و مستعدة للمساهمة في بناء غدٍ مشرق تتسع فيه الآمال للجميع.
السودان من السفوح إلى القمم.. ثروات عملاقة وخطة استراتيجية لصناعة المستقبل
حين يتحدث البعض عن الأزمة الاقتصادية في السودان، فإنهم ينظرون إلى الواقع الراهن بما يحمله …





