كيف نعيد بناء شرايين النقل في السودان لنعبر نحو المستقبل؟
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
لا يمكن لأي باحث أو مهتم أن يكتب تاريخ السودان الاقتصادي والاجتماعي خلال القرن العشرين دون التوقف مطولاً أمام منظومة النقل والمواصلات، التي مثلت الشريان الحيوي لربط أطراف هذا البلد المترامي الأطراف. لقد كان السودان يمتلك شبكة نقل تُعد من الأكثر تطوراً في القارة الإفريقية، وساهمت في ربط مدنه ومناطق إنتاجه الزراعي والتعديني والصناعي عبر منظومة متكاملة من السكك الحديدية، والموانئ، والنقل النهري، والطيران المدني. لكن المفارقة المؤلمة اليوم تكمن في أن هذه المؤسسات العملاقة أصبحت تُذكر في أحاديثنا اليومية وكأنها أساطير أو حضارات بائدة، لدرجة أن الأجيال الشابة تكاد لا تصدق أن هذا الإرث العظيم كان واقعاً ملموساً وليس ضرباً من الخيال.
لفهم حجم الخسارة، ولبناء تصور حقيقي للمستقبل، يجب أن نستوعب أولاً حجم الإمكانيات التي كانت متاحة، عملاق السكك الحديدية، بدأت هذه الشبكة لأغراض عسكرية عام 1897م، لتتحول لاحقاً إلى مشروع تنموي ضخم تجاوز طوله 5500 كيلومتر، ووصل في بعض التقديرات إلى 5900 كيلومتر. ضمت الشبكة أكثر من 250 محطة ربطت البلاد من وادي حلفا إلى واو، ومن بورتسودان إلى نيالا. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، نقلت الهيئة ما بين 2.5 إلى 3.5 مليون طن من البضائع، وأكثر من 3 ملايين راكب سنوياً، واستوعبت أكثر من 40 ألف موظف وعامل. كما شكلت ورش مدينة عطبرة أكبر مجمع هندسي في إفريقيا، مما منحها لقب “مدينة الحديد والنار”.
الريادة في الأجواء:، تأسست الخطوط الجوية السودانية (سودانير) عام 1947م كواحدة من أقدم شركات الطيران في إفريقيا والشرق الأوسط. حلقت طائراتها المتنوعة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى أكثر من 30 وجهة دولية ومحلية، واعتمدت على كادر بشري تجاوز 4000 موظف، مع طيارين سودانيين تمتعوا بسمعة مهنية عالمية مرموقة، بالإضافة الى الرئة البحرية والنهرية، افتتح ميناء بورتسودان عام 1909م، وكان يمر عبره أكثر من 90% من تجارة البلاد الخارجية، متداولاً ما يصل إلى 9 ملايين طن من البضائع وأكثر من نصف مليون حاوية سنوياً قبل عام 2011م. توازى ذلك مع امتلاك الخطوط البحرية السودانية لأسطول وصل إلى 20 سفينة في فترات الازدهار. أما النقل النهري، فقد استفاد من 6500 كيلومتر من المجاري النهرية، منها 3000 كيلومتر قابلة للملاحة، شكلت شرياناً حيوياً لنقل الركاب والبضائع نحو الجنوب.
التراجع لم يحدث فجأة، بل كان نتيجة تراكمات من السياسات الخاطئة والظروف المعاكسة. تدهورت السكك الحديدية منذ أواخر السبعينيات وتسارع سقوطها في الثمانينيات والتسعينيات بسبب تقادم القاطرات، وضعف الصيانة، وغياب التخطيط المتوازن لصالح التوسع العشوائي في النقل البري. أما “سودانير”، فقد سقطت ضحية العقوبات الاقتصادية، والديون، وسوء الإدارة، حادثة تحطم طائرة الإيرباص عام 2008م التي عمقت جراح الشركة.
في الموانئ والممرات المائية، أدى نقص الاستثمار، والتعقيدات الإدارية، وتقادم السفن، وارتفاع تكاليف التشغيل إلى شلل شبه تام، حتى أصبح السودان يعتمد كلياً على الشركات الأجنبية لنقل تجارته البحرية.
تتفق الأدبيات الاقتصادية على أن جذور هذا الانهيار الشامل تعود إلى غياب الحوكمة الرشيدة وتسييس الإدارة، وانعدام التخطيط طويل الأجل وإهمال الصيانة الوقائية والتحديث التكنولوجي، بالإضافة إلى هجرة العقول والكفاءات الوطنية، إلى جانب النزاعات المسلحة والعقوبات الدولية التي أرهقت البنية التحتية لعقود.
وقد دفع الاقتصاد السوداني ثمناً باهظاً لهذا الانهيار، حيث ارتفعت تكاليف النقل الداخلي بنسب تراوحت بين 200% و400%، مما أفقد الصادرات السودانية قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
رغم قسوة هذه التجربة، إلا أنها يجب أن تُقرأ كدرس تاريخي بالغ الأهمية؛ فالدول لا تُبنى فقط بوفرة الموارد الطبيعية، بل بوجود مؤسسات قادرة على إدارتها بكفاءة واستدامة. عند مقارنة التجربة السودانية بدول مثل اليابان، أو كوريا الجنوبية، أو الإمارات، نجد أن تلك الدول تعاملت مع قطاع النقل، استثمار استراتيجي ومحرك أساسي للنمو الاقتصادي، وليس مجرد خدمة حكومية اعتيادية.
السودان اليوم لا يبدأ من الصفر، بل يمتلك مقومات جيواستراتيجية لا غنى عنها للنهوض مجدداً، فالموقع الجغرافي الساحلي: يمتلك السودان ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر يتجاوز طوله 700 كيلومتر، وهو ما يمثل فرصة هائلة لبناء موانئ حديثة ومراكز لوجستية عالمية، والشبكة المائية الواسعة: الإمكانيات النهرية الضخمة تمثل بنية تحتية طبيعية تحتاج فقط إلى الإرادة والتأهيل لتعود كشريان نقل اقتصادي منخفض التكلفة، والرأس المال البشري: الإمكانات البشرية الكبيرة للسودانيين قادرة على قيادة هذه القطاعات متى ما توفرت البيئة المناسبة.
إن الاستفادة المستقبلية من هذا الإرث تتطلب تحولاً جذرياً في العقلية الإدارية والسياسية. يجب أن يقترن الموقع الاستراتيجي بإرادة سياسية حقيقية، وحوكمة رشيدة، واستثمارات مدروسة وموجهة نحو البنية التحتية والتكنولوجيا الحديثة. لم يعد مقبولاً أن ننتظر حتى تتعطل الآلة بالكامل لنشكل لجان تحقيق؛ بل يجب أن نتبنى نهج الصيانة الدورية والتحديث المستمر الذي يسبق الأزمات.
ختاماً؛ إن أردنا الخروج من دائرة النوستالجيا حيث يعمل “الماضي ساعات إضافية لتعويض الحاضر”، علينا أن نبدأ وفوراً في صياغة استراتيجية وطنية شاملة لقطاع النقل. حينها فقط، بدمج هذه المقومات الاستراتيجية مع التخطيط العلمي، ستعود القطارات إلى قضبانها، وتحلق الطائرات في الأجواء، وتمخر السفن عباب البحر، لتتحول كلمة “كان” التي أرهقت ذاكرتنا، إلى كلمة “عاد” التي ينتظرها كل سوداني.
البطولة الأسوأ
منذ اول بطولة لكأس العالم عام 1930 بالأوروغواي وفازت بها ، تعد البطولة الحالية 2026 الأسو…





